التخطي إلى المحتوى

5TH9X2BA-3TPM8D

بوابة حضرموت / عبدالباري عطوان 

يختلف اليمنيون، سلطة وشعب، على كل شيء تقريبا باستثناء امر واحد، وهو صعوبة حكم بلادهم، وهذا ما يفسر حالة الاضطراب التي تعيشه مؤسسة الحكم بشكل مزمن، وتعرض اكثر من رئيس يمني، سواء في الجنوب او الشمال للاغتيال.

الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني قال “ركوب الليث اصعب من حكم اليمن”، فما كان من الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي استمر في الحكم لاكثر من ثلاثين عاما الى “نحت” تعبير مماثل ملخصه “ان حكم اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين السامة”، ويوم امس اراد الرئيس الحالي عبد ربة منصور هادي الى النزول الى المعترك نفسه، ووصف تجربته القصيرة جدا في الحكم (عامان تقريبا) بقوله في اجتماع للنخبة السياسية من وزراء وقادة احزاب ونواب “انا جالس على كرسي من نار، واحاول اطفاء الحرائق من حولي”.

بعد استيلاء قوات “انصار الله” الحوثية على العاصمة صنعاء، بدأ اليمن مرحلة تاريخية جديدة، انقلبت فيها كل المعادلات السياسية والقبلية والعسكرية القديمة، دون ان تتبلور معادلات جديدة تحل محلها.

اليمنيون، او معظمهم، يعيش هذه الايام حالة من الصدمة اعجزتهم عن الاجابة عن العديد من الاسئلة، مثل لماذا انهار الجيش اليمني بهذه الطريقة، وكيف سيطر “انصار الله” وهم الذين لا يملكون خبرات قتالية تقليدية كبيرة من السيطرة على العاصمة وكل مؤسسات الحكم دون ان يخسروا الا اعدادا قليلة من قواتهم وفي مواجهة جيش جرار؟

الرئيس اليمني عبد الله منصور هادي الذي خضع للامر الواقع وقبل باتفاق تسوية من 17 بندا هندسه السيد جمال بن عمر مبعوث الامم المتحدة، لبى معظم مطالب “انصار الله”، ان لم يكن كلها، تحدث امس عن “مؤامرة” لها شقين، احدهما داخلي، والآخر خارجي، تحالفت فيها قوى كثيرة من اصحاب المصالح التي فقدت سلطتها، او من الذين جعلتهم ثاراتهم الشخصية يثأرون من الوطن، قبل ثأرهم من الاشخاص ومن الانتهازيين الذين نراهم.

الرئيس هادي يشير بأصبع الاتهام الى رئيسه السابق علي عبد الله صالح الذي عمل نائبا له، دون اي صلاحيات باستثناء البروتوكولية منها، لاكثر من عشر سنوات، ولكنه لم يسمه بالاسم.

الرئيس علي عبد الله صالح، ومثلما تؤكد تقارير يمنية عديدة، الذي حارب الحوثيين ست مرات، قتل في احداها والد الزعيم الحالي عبد الملك الحوثي، عقد صفقة مع اعدائه القدامى من اجل الانتقام من اعدائه الاحدث، الذي يتهمهم بالوقوف خلف الثورة التي اطاحت بحكمه، اي حركة الاصلاح الاسلامية التي يتزعمها ابناء الشيخ عبد الله الاحمر شيخ قبائل حاشد، والشيخ عبد المجيد الزنداني ابرز مرجعياتها الدينية.

والاهم من ذلك، انه ومن خلال هذا التحالف، ومثلما تقول التقارير نفسها اضعف النفوذ القطري التركي في اليمن، لمصلحة تفاهم ايراني سعودي تجلى بوضوح في اللقاء الذي عقد في نيويورك بين الامير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي ونظيره الايراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة.

الشائعات والتحليلات كثيرة في العاصمة اليمنية هذه الايام، وبعضها يقول ان رجال الرئيس علي عبد الله صالح في الجيش اليمني هم الذين وقفوا خلف عدم تصدي الجيش اليمني للقوات الحوثية التي سيطرت على صنعاء بعد ان تحكمت في جميع مداخلها الاربعة، بل يذهب البعض الى ما هو اكثر من ذلك بالتأكيد على ان جنرالات الجيش الموالين للرئيس السابق هم الذين اقتحموا مقر اللواء علي محسن الاحمر خصم الرئيس السابق اللدود والعدو الابرز لتيار “انصار الله الحوثي”.

صنعاء تعيش حاليا حالة من الهدوء في ظل سيطرة القوات الحوثية على جميع المقرات الحكومية ومحطات الاذاعة والتلفزيون والبنك المركزي، ولكن هناك من يعتقد انه الهدوء الذي قد يسبق عاصفة قادمة تتجمع غيومها في السماء.

اليمنيون اثبتوا حكمة غير موجودة في دول عربية كثيرة عندما احتكموا دائما للحوار وتجنبوا الاحتكام للسلاح، فالرئيس هادي بدأ امس تطبيق بنود اتفاق السلام، وعين مستشارين له احدهما من التيار الحوثي والآخر من الحراك الجنوبي، وخفض اسعار المحروقات احد مفجرات الازمة الحالية.
السيد عبد الملك الحوثي الذي يتحكم حاليا بكل شيء باستثناء الاستيلاء على الحكم وتنصيب نفسه رئيسا، اظهر بدوره بعض الحكمة عندما قال في خطابه انه يمد يده الى حزب التجمع اليمني للاصلاح (الاخوان المسلمون) مطالبا بالشراكة، بدلا من الاقصاء، وغازل الحراك الجنوبي باعترافه “بضرورة رفع المظالم عن الجنوب والتعاطي مع ابنائه على قدم المساواة وعلى اساس مبدأ الشراكة في الحكم”.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عما اذا كان حزب الاصلاح سيتعاطى مع هذه المبادرة بايجابية ام سيرفض هذه اليد الممدودة له، وفي حالة الرفض الذي يرجحه الكثيرون في صنعاء وخارجها، ما هي البدائل، ومن الذي سيقدم الدعم المالي والعسكري طالما ان السعودية التي دعمت دائما اسرة الاحمر، واقامت علاقات وثيقة مع زعيمها الشيخ الراحل عبد الله الاحمر، غيرت سياساتها، واعلنت الحرب على حركة “الاخوان المسلمين” في كل مكان وليس اليمن فقط؟

سؤال آخر يتوالد من السؤال الاول ويكمله، وهو عما اذا كان الرئيس السابق علي عبد الله صالح في طريقه الى قصر الرئاسة مجددا كثمرة للتفاهم السعودي الايراني المتصاعد، والدعم الذي يحظى به من “انصار الله” الذين حاصروا مقر اقامته لتوفير الحماية له؟
كثيرون في النخبة السياسية اليمنية يستبعدون هذه العودة للرئيس السابق بأي شكل من الاشكال، ولكن هؤلاء استبعدوا ايضا استيلاء التيار الحوثي على محافظتي صعدة وعمران ومعظم محافظتي حجة والجوف وكل العاصمة صنعاء تقريبا.

الامر المؤكد ان اليمن بصيغته القديمة يحتضر ان لم يكن قد توفى فعلا، ومن الصعب التكهن بهوية اليمن الجديد الذي سيأخذ مكانه، فكل الاحتمالات واردة، بما في ذلك فوضى السلاح والحرب الاهلية والتفتت، والمخرج الوحيد من هذه الصورة التشاؤمية هو حدوث تحالف بين التيارين الاهم في البلاد اي التيار الحوثي وتيار الاخوان المسلمين، وتقاسم السلطة بينهما والحراك الجنوبي، ولكن هذه الصيغة تبدو اقرب الى التمنيات في نظر الكثيرين.
ومثلما قلنا في بداية المقال حول صعوبات حكم اليمن من وجهة نظر حاكمين وشاعر، نعود ونضيف، بأن التوافق هذه الايام بين التيارات المتصاعدة ربما اصعب من اي وقت مضى في ظل الازمات التي تعصف بالمنطقة العربية بأسرها، وتصاعد حالة الاستقطاب والتطرف الطائفي، والتدخلات العسكرية الاقليمية والاجنبية.

اليمن يقف امام مفترق صعب، وربما لا نبالغ اذا قلنا انه الاصعب في تاريخه الحديث، ويستحق من ابنائه التمسك بتراثهم العظيم في الحكم والتبصر، ويستحق من محبيه، ونحن منهم في هذه الصحيفة، الدعاء بالوصول الى بر الامان وحقن الدماء.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *