التخطي إلى المحتوى

02125014

بوابة حضرموت / العربي الجديد / كتب : محمد عبدالملك 

“مساء كل يوم أسمع زوجتي، وهي تسألني متى نأخذ أطفالنا ونخرج في نزهة للتسوق وسط أسواق لندن؟ بأسلوب يغلب عليه الحنين يتحدث ألكسندر القادم من بريطانيا (27 عاماً)، قبل عامين جاء ألكسندر مع عائلته إلى مدينة تريم أقصى شرق اليمن في محافظة حضرموت، من أجل دراسة العلوم الإسلامية.

تقيم عائلة ألكسندر مع عديد الأسر الغربية في عالم يلفه غموض الصوفية، هناك خارج أسوار مدارس الصوفية المعزولة في تريم الواقعة على تخوم صحراء الربع الخالي حياة خاصة، عادات قديمة، تمنع الفتيات من الكشف عن وجوههن أو التوشح وارتداء غير السواد، ولا الخروج من المنزل للتسوق إلا وهن محجَّبات بشكل تام، كما لا يسمح للشباب فيها بارتداء الجينز بحسب روايات أبناء المدينة التي وثقها كاتب التحقيق.

“دار الزهراء” مركز يقع وسط البلدة، ويختص بتحفيظ النساء القرآن، ويعتبر النموذج الأبرز الذي يلخص الواقع المعاش، إذ ترتدي الطالبات القادمات من أميركا وبريطانيا وإنجلترا وإسبانيا منديلاً ملفوفًا حول الرأس، وذلك حتى أثناء النوم لأنَّ “الملائكة تحب الفتاة أن تبقى على هذا النحو”، وفقا لما تحدّث به علماء الصوفية في تريم لـ”كاتب التحقيق”.

الهروب من الفتنة

ما إن تضع قدميك في أحد شوارع تريم، لن تقع عينك إلا على أربعة ألوان: الأصفر، وهو لون الجبال والبيوت، والأسود، لون ملابس النساء وعباءاتهن، الأبيض وهو لون إزارات الرجال، والأخضر لون الأراضي الزراعية التي يعمل أغلب النساء فيها.

محسن أحمد السري، رئيس دار الزهراء قال لـ”العربي الجديد”:”إنهم يهتمون بتدريس علم القلوب أو ما يطلقون عليه بتزكية النفوس (منهج الصوفية) لأكثر من مئتي طالبة من الدول الأجنبية، ومعهن خمسون طالبة يمنية، جميعهن يعكفن على الاشتغال بذكر الله، ويتابع: “النساء الأجانب يأتين ولديهن رغبة جامحة بالالتزام بالحجاب وتغيير سلوكهن، خصوصاً بعد أن مللن حياة التبرج في بلدانهن ويردن الهروب من الفتن والاختلاط وتعلم مقاصد الشرع الإسلامي ونشرها في بلدانهن عند العودة”.
يؤكد محسن أن طالبات الدار لا يستخدمن أي أجهزة إلكترونية، وكما لا يسمح لهن حتى باستخدام الهاتف المحمول سوى مرة في الأسبوع.

يضيف: “هذا الأمر يتم إبلاغ الطالبات به منذ البداية، لأن لديهن سنوات محددة، ومن الأفضل أن يتم استغلالها في تهذيب نفوسهن والاعتناء بقلوبهن والانشغال بالتوبة، وخوفاً مما تحمله هذه الأجهزة من أفكار ضالة، على حد قوله”.
إدارة مركز الزهراء أفادت “العربي الجديد”: “بأن فترة إقامة هؤلاء النساء الأجانب في المدينة تحددها إمكانات الطلاب المقيمين مع عوائلهم، والتي تقسم على مراحل متفرقة، تبدأ من الابتدائية والإعدادية والثانوية، وصولاً إلى الجامعة”.

نساء مدارس الصوفية

يبدأ البرنامج اليومي لطالبات مدارس الصوفية قبل صلاة الفجر بـ 60 دقيقة، بحسب روايات مشرفي الدار لـ”العربي الجديد”، إذ يستيقظن من أجل تلاوة القرآن وأداء صلاة القيام وبعدها صلاة الفجر، ثم يذهبن لقراءة أذكار الصباح، وعند وقت الشروق يأخذن فترة راحة، ويتناولن الإفطار.
السابعة صباحاً هو موعد بدء الحصص الدراسية اليومية، والتي تستمر حتى الحادية عشرة ظهراً، بعدها يأتي وقت الغداء ثم تقضي كل طالبة فترة قيلولة أو تنشغل بأمورها الخاصة.
ومن بعد صلاة العصر، يستمعن إلى درس الروحة حتى المغرب، ويكون الوقت بعده مخصص لحفظ القرآن حتى صلاة العشاء، يعقبها فترة استراحة ثم يتناولن وجبة العشاء، ويذهبن مباشرة إلى مراجعة الدروس وبعدها الاستعداد للنوم في تمام العاشرة مساء.

تشترط المدرسة في الدار على الطالبة حفظ جزء من القرآن الكريم عن ظهر قلب، وإتقان اللغة العربية بشكل أساسي، والبقاء في الدار على الأقل لمدة عام أو تصل إلى عشر سنوات، وتدفع كلّ طالبة ما يعادل 180 دولاراً أميركياً، في الشهر بدل تكاليف الإقامة والطعام وفقاً لتصريح محسن السري مشرف الدار لـ”العربي الجديد”.

يتم التدريس حسب النظام الإسلامي التقليدي، ويقول مشرف الدار إن الطالبات تلقين الدروس من العلماء، ولكن عن طريق شاشة عرض أو عبر سماعات الصوت، ولا تجوز لهن مغادرة مبنى المدرسة والخروج بمفردهن، إلا عند المناسبات مثل زيارة صديقة أو حضور حفلة زفاف.

وفقاً لمشايخ الصوفية من إدارة الزهراء، فإنهم يستعينون بزوجاتهم لإجراء المعاملات الخاصة بالطالبات، وأحياناً يلقي العلماء الدروس إلى الطالبات عبر شاشات العرض أو سماعات الصوت من خارج فصول الدراسة.

الزواج قبل الجامعة

“الحجاب سترٌ للمرأة.. وعفة للرجل” توجد هذه العبارة على بوابة “ثانوية تريم للبنات” أكبر مدارس البلدة، والتي تخرج منها في العام الأول 2013-2014، مئتا طالبة، ولم تلتحق بالجامعة منهن إلا نحو 30 طالبة، بحسب مدير المدرسة سالم بن سعيد، والذي يرجع سبب ذلك إلى أولياء الأمور.

وأكد بن سعيد لـ”العربي الجديد” أن الآباء في تريم، لا يرغبون لبناتهم مواصلة الدراسة، بسبب تخوفهم من الاختلاط، وكذلك بسبب بعد مسافة الجامعة عن تريم، إضافة إلى ظروفهم الاقتصادية.

ما يمكن تسميته بالمشكلة السلبية، هو ما كشف عنه عضو المجلس المحلي لتريم، وقال إن أكثر الفتيات في البلدة يتزوجن مباشرةً بعد الانتهاء من مرحلة الإعدادية، وأعمارهن لا تتجاوز 16 عاماً، وتقل نسبة الزواج بالفتيات اللواتي يلتحقن بالثانوية العامة، وفي حال التحقت الفتاة بالجامعة يصبح الارتباط والزواج أقصى ما يمكن أن تحلم به.

وفي نفس الوقت الذي كانت تقف فيه إحدى طالبات المدرسة وتتحدث إلى المدير من خلف باب الفصل، وتطلب منه باستحياء الاتصال بأحد أقاربها كي ياتي لإسعافها، كان الأستاذ سالم مشغولاً بالحديث إلى كاتب التحقيق، وأكد له أن أكثر من 30 طالبة في الصف الأول الثانوي فقط، يشعرن بصعوبة استكمال الدراسة نتيجة انتقالهن إلى الحياة الزوجية.

الحياة من وراء حجاب

ما يقارب سبعة أيام كاملة، قضاها كاتب التحقيق في البلدة، لم يصادف امرأة واحدة بالغة وقد كشفت عن وجهها. في أحد مقاهي تريم البسيطة التقى محمد بامساعد وهو أحد الشباب المنفتحين على الحياة، وروى بعض العادات التي تلتزم بها الفتاة الشابة، أبرزها منعها من استخدام أدوات التجميل أو العطر لاعتبار ذلك جريمة وعيباً قبل أن تتزوج.

يحاول محمد.ع، وهو صحافي شاب من تريم، استرجاع ما حصل معه قبل أربع سنين، عندما انتقل إلى جامعة صنعاء لدراسة الإعلام، ويتذكر كيف كان مصراً على عدم الالتحاق بالتخصص بسبب صدمته بمشاهد اختلاط الطالبات مع زملائهن وتبادل الأحاديث ومناهج الدراسة.

حول هذه النقطة تحديداً، قال الأمين العام للمجلس المحلي لتريم، لـ”العربي الجديد” بأن التلفزيون وتأثير الواقع بدء يغير الكثير من هذه الأشياء، ويقول أغلب نساء البلدة انضممن إلى مجموعات “جروبات” خاصة يتواصلن عبرها.

في المقابل، يرجع محسن السري الأسباب التي جعلت أبناء تريم، يتشبثون بهذه القناعات إلى ما خلفته الشيوعية في الجنوب، والتي “حاولت حرف الناس على المحافظة على الهوية الدينية” الأمر الذي جعلهم يتمسكون بهويتهم بشكل أكبر، ولعل الأمر نفسه هو ما دفع المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم الثقافة (إيسيسكو) لأن تختار مدينة تريم عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2010 من بين عدة مدن إسلامية.

اختلاف واضح

في الوقت الذي تجاوزت فيه المرأة اليمنية في محافظات الشمال تحديداً واقع انعزال المرأة في حضرموت، يحدد علماء الصوفية في دار الزهراء مكانة النساء هناك، حتى الغربيات القادمات من عادات وتقاليد مختلفة كلياً.

يبقى السؤال الأكثر جدلا، ما هو السر التي تحمله جبال تريم ودار الزهراء لمستقبل المرأة؟ هناك في تريم حيث تبحث النساء الغربيات عن مقابر الأولياء وحلقات الذكر. – 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *