التخطي إلى المحتوى
آلة داعش الإعلامية تقبع في مرمى الخطر

بوابة حضرموت / متابعات

_70927_dash3

 

عندما يقولون “لكل شيء أصبح هناك تطبيق”، فإن الدعاية الإرهابية ليست استثناءًا من هذا القول؛ ففي الأشهر الستة الماضية، عمد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ووكالة أخباره المختصة، وكالة أعماق، إلى تصميم ما لا يقل عن ستة تطبيقات رسمية لهم على الهواتف الذكية، بالإضافة إلى اعتمادهم لقائمة من التطبيقات الأخرى التي تم تصميمها من قِبل أنصار الجماعة.

 

تشير هذه التطورات إلى الأولوية التي يوليها تنظيم داعش للبقاء في طليعة التكنولوجيات الاجتماعية، ولكن من خلال ملاحظة بعض المشاكل التطويرية للبرامج التي يصدرها التنظيم وأتباعه، يمكننا أن نستخلص بأن آلة تطبيقات داعش تكمن تحت وطأة خطر كبير، فضلًا عن أنها تتكلف مبالغ باهظة بغية تأمين استمرارها.

 

تم تصميم أول تطبيق لتنظيم داعش في 29 نوفمبر 2015 عبر وكالة أعماق الأخبارية، حيث وفّر التطبيق التقارير الإخبارية وترويجات لعمليات داعش، معظمها من داخل العراق وسوريا.

 

بعد شهرين، وفي 30 يناير 2016، صمم التنظيم تطبيقًا مخصصًا لمنصات الأندرويد ييث من خلاله البرامج الإذاعية لمحطة البيان الإذاعية التابعة له، حيث وفّر التطبيق تحديثات إخبارية يومية عن فرق داعش الإقليمية، جنبًا إلى جنب مع القراءات والأناشيد الدينية.

 

لا تعد هذه التطبيقات مجرد أدوات قيّمة بغية استقطاب المجندين فحسب، بل إنها تساعد أيضًا على توفير قنوات مستقرة لبث الدعاية الإعلامية للتنظيم خارج حسابات وسائل الاعلام الاجتماعية، حيث غالبًا ما يتم حذف حسابات التنظيم على يد مسؤولي تلك المواقع، ولهذه الأسباب، لم يكن من المستغرب مواصلة تنظيم داعش إصدار تطبيقات مماثلة؛ ففي يوم 17 أبريل، أصدرت المجموعة النسخة الإنجليزية من تطبيق أعماق.
وبالإضافة إلى ذلك، تم إصدار تطبيقات دعائية عائدة للتنظيم ناطقة باللغة الفرنسية والتركية في يوم 21 أبريل و2 مايو، على التوالي.
لم تتوقف الآلة الدعائية للتنظيم عند هذا الحد، بل ذهبت الجماعة إلى ما يتجاوز التغطية الأخبارية والمحتوى الديني، لتصدر في يوم 10 مايو تطبيقًا جهاديًا على منصة أندرويد مخصصًا لتعليم الأبجدية العربية للأطفال تحت اسم (تطبيق حروف)، تم إنتاجه من قِبل “مكتبة الهمة”.

 

يروّج هذا التطبيق بالطبع لرسائل جهادية موجهة إلى “أشبال الخلافة”، كما يسمي داعش الأطفال، حيث يتضمن التطبيق ربطًا ما بين الحروف وكلمات جهادية مقابلة لها، كالربط ما بين حرف الميم وكلمة “مدفع”، حرف الباء وكلمة “بندقية”، حرف الدال وكلمة “دبابة، وحرف الصاد وكلمة “صاروخ”.
غالبا ما توّفر المجموعة الإرهابية تحديثات دورية لهذه التطبيقات، بما في ذلك تحديث أُطلق في 16 مارس لتطبيق وكالة أعماق، كما أصدر التنظيم إصدارات عاملة على أنظمة ويندوز من تطبيقي راديو البيان وتطبيق حروف المخصص للأطفال في 17 آذار و28 مايو على التوالي.

 

ولكن في الوقت الذي بدا فيه بأن تنظيم داعش قد نجح حقًا في خلق أسلوب مباشر وغير منقطع لربط أتباعه معه، ظهرت مؤشرات على أن التطبيقات المنشورة باتت تحت خطر التعرض لاختراقات جديدة؛ ففي إشعار نشرته وكالة أعماق رسميًا في 1 يونيو، وأُعيد التأكيد عليه في وقت لاحق من قِبل قنوات وسائل الإعلام الاجتماعية الأخرى التابعة للتنظيم، ادعى التنظيم بأن “مصادرًا مشبوهة” باشرت بنشر نسخة مزورة من تطبيق أعماق بهدف “التجسس”.
وبعد فترة وجيزة، نشرت الجماعات المرتبطة بداعش ومؤيدي التنظيم “تنبيهًا هامًا” آخر بمختلف اللغات، نص على انتشار تطبيقات وهمية مرتبطة بالتنظيم على شبكة الإنترنت، موضحًا بأن تلك التطبيقات نُشرت ربما بهدف “الاختراق”، كما سلّم التنبيه أيضًا تعليمات للسلامة مماثلة للتحذير الذي نشرته وكالة أعماق.
تجدر الإشارة إلى أن الرسالة الثانية الظاهرة في الصورة السابقة، وعلى الرغم من أنها تحذّر من اختراق يطال التطبيق الرسمي التابع لداعش، إلا أنها لم يتم نشرها من قِبل حسابات التنظيم الرسمية، كما صدر تحذير باللغة الإنجليزية في اليوم ذاته أكّد بشكل حتمي بأن التطبيقات المزورة كانت “تهدف بشكل واضح إلى الاختراق”.

 

هنا، قد يتساءل المرء كيف يمكن للتطبيق أن يكون “وهميًا”، فهذا أمر لا يثير قلق المستهلكين الذين يستخدمون متاجر أندرويد وأبل الرسمية لتحميل تطبيقاتهم، ولكن الجهاديين يعملون بقواعد وموارد مختلفة؛ وهذا الأمر يسفر بالطبع عن ظهور أنواع جديدة من نقاط الضعف.

 

لربما قد لاحظتم بأن جميع التطبيقات التي تم ذكرها هنا تعمل على منصة أندرويد، وهذا الأمر ليس ناجمًا عن خيارات تفضيلية اتخذها التنظيم، بل لأنه الخيار الوحيد المتوفر أمام الجهاديين؛ فجميع التطبيقات الموجودة على متجر أبل يجب أن تخضع لعملية رقابة في البداية، تتضمن مرورها بعملية موافقة صارمة من قبل شركة آبل ذاتها للتأكد من أنها “خالية من المواد المسيئة”.

 

وبالمثل، تحتفظ جوجل أيضًا بالسيطرة الكاملة على التطبيقات المتاحة للتحميل في متجر بلاي الرسمي لمنصات الأندرويد، حيث يمكن لجوجل رفض أي تطبيق ينتهك سياساتها، وهذا ما حصل مؤخرًا مع تطبيق نشرته حركة طالبان الأفغانية، حيث تم حظره بعد أيام من ظهوره على متجر بلاي في 1 أبريل 2016.
ولكن مع ذلك، فإن الفرق الرئيسي بين تطبيقات الأي فون والأندرويد هي أن منصة الأندرويد تسمح للمستخدمين بإنشاء وتثبيت تطبيقات جديدة من خارج متجر جوجل بلاي المخصص لتطبيقات الأندرويد؛ فبعيدًا عن دائرة الرقابة، يمكن إنشاء وتثبيت تطبيقات الأندرويد بشكل مستقل بصيغة ملفات APK (حزمة تطبيق أندرويد) بدون أن يتم نشر هذه التطبيقات ضمن متجر جوجل بلاي أساسًا، حيث يسمح هذا الأسلوب، المعروف باسم التحميل الثانوي “sideloading”، بتجاوز الأسلوب الروتيني لمراقبة التطبيقات الذي وضعته جوجل وأبل.

 

نشر التطبيقات بهذه الطريقة يحمل منافع واضحة لداعش؛ فوجود مجموعة أنيقة من التطبيقات الفاعلة المرتبطة بالتنظيم يروّج للجماعة أمام أتباعها بأنها قادرة على إدارة عملياتها الإعلامية بشكل متعدد الأوجه، كما وتسهم تلك التطبيقات بإسباغ صورة الدولة الشرعية على التنظيم، وبالنسبة لأعداء داعش، تراهن تلك التطبيقات على أن الجماعة قادرة على تجنب الإجراءات الأمنية القائمة ونشر دعايتها أمام أنصارها من خلال الالتفاف على طرق النشر والترويج.

 

ولكن مع ذلك، فإن هذه التطبيقات تحمل أيضًا في طياتها مخاطرًا عديدة تجاه التنظيم وأتباعه، وأهمها ربما حماية خصوصية أنصار التنظيم؛ حيث تستمر الحكومات والأفراد حول العالم باستهداف داعش على الإنترنت؛ فالتطبيقات المنشورة خارج إطار متجر جوجل بلاي توفر فرصًا جديدة لزرع برمجيات خبيثة مقنّعة ضمن مزيج تطبيقات داعش، مما يسمح باختراق مجتمع أنصار التنظيم، وفي الواقع، وتمامًا كما ذُكر في تحذير يوم الخميس حول التطبيقات المزيفة التي تستهدف تطبيقات داعش، يبدو أن هذه الكيانات تقوم بخلق نسخ مقلدة لتلك التطبيقات محملة ببرمجيات خبيثة مزورعة ضمن تطبيقات الـAPK التابعة لوكالة أعماق وإذاعة البيان.

 

الطريقة الشائعة لتجنب مثل هذا الخداع هي من خلال التحقق من الملفات عبر اختبار رقمي، يُسمى أحيانًا بـ”البصمة الرقمية”؛ حيث يمكن من خلال هذه الطريقة تحديد إذا ما تم تغيير الملف عن شكله الأصلي، ولكن على الرغم من حقيقة أن التنظيم يضمّن أساليب التحقق المذكورة ضمن تطبيقاته، إلا أن التحذيرات المنشورة تدلل على أن حفنة صغيرة من أتباعه يعيرون الاهتمام لذلك؛ وتضحي مثل هذه الأخطاء التقنية التي يرتكبها أنصار التنظيم أكثر انتشارًا مع الإغلاق المستمر لوسائل إعلام داعش الرسمية في كثير من الأحيان على شبكة الإنترنت، مما لا يترك مجالًا أمام أنصار التنظيم إلا بالاعتماد على وسائل الإعلام الاجتماعي الثانوية الأقل موثوقية.

 

يعد التعطيل الذي يطال تطبيقات تنظيم داعش مصدر إحراج للجماعة، التي تصر على بذل جهود كبيرة للحفاظ على وجودها ضمن وسائل الإعلام لتتمتع بالاحترام بين الجهاديين؛ مما يضع أتباع التنظيم في خطر متزايد للكشف عنهم وإلقاء القبض عليهم، وهنا يتوضح لنا سبب عدم نشر الحسابات الرسمية لتنظيم داعش لأي تحذير حول التطبيقات المزيفة، تاركًا تلك المهمة لمؤيديه فحسب.

 

إذن، هل سيواصل تنظيم داعش إصدار التطبيقات الخاصة به؟ الأمر ليس واضحًا في الحقيقة، ولكن واقع استمرار التنظيم بتشغيل هذه التطبيقات وتحديثها قد يحمل تلميحات للإجابة؛ فبعد كل شيء، مازال التنظيم يخاطر باستمراره في العمل على منصات وسائل التواصل الاجتماعي كتويتر وغيره من المواقع، وهو الأمر الذي أدى إلى اعتقال العديد من أتباعه، وبالنظر إلى هذا التاريخ، يتوضح لنا جليًا بأن التنظيم على أهبة الاستعداد لتعريض أتباعه للخطر فقط بغية الحفاظ على استمرارية آلة تطبيقاته الخاصة.

 

ريتا كاتز
المديرة والمؤسسة المشاركة لموقع سايت للاستخبارات، ومتخصصة بدراسة وتتبع وتحليل شبكات الإرهابيين الدوليين.
 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *