التخطي إلى المحتوى
جنوب اليمن والتباكي على أطلال الدولة الاشتراكية

بوابة حضرموت / تقرير : أحمد سعيد

Main_AFP-11

 

لا يزال سكان جنوب اليمن يتباكون على أطلال دولتهم التي اندثرت منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي. يترحمون على هويتهم التي طمست بشكل ممنهج على مدى السنوات الماضية، من نظام سخّر جميع إمكاناته لاستبدال هويتهم بهوية جديدة تناقض تاريخهم وثقافتهم. فقد استبدل دولة النظام والقانون والأمان بدولة القبلية والمحسوبية والرجعية، بعد أن كانت مدينة عدن عاصمة جنوب اليمن تصنّف كأفضل المدن في المنطقة العربية، رغم قدرات الدولة المتواضعة ونظامها الاقتصادي المختلف تماماً عن سائر جيرانها في المنطقة.
جنوب اليمن في العهود الماضية

بالعودة إلى قيام “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية”، التي حكمت المحافظات الجنوبية منذ عام 1967 حتى 1990، كانت أول دولة عربية تعتنق الاشتراكية الشيوعية في نظام الحكم. وكونت تحالفات وعلاقات قوية مع الاتحاد السوفياتي كراعٍ للاشتراكية العالمية. اقترن جنوب اليمن حينها بشبكة علاقات عميقة مع جميع الدول في المعسكر الاشتراكي في أميركا اللاتينية والكاريبي، مثل كوبا وبقية الدول الاشتراكية في أوروبا وآسيا.

غالباً حين يتطرق الناس للحديث عن الدولة اليمنية بشكلها الحالي، يغفلون حقيقة أنها قامت على أنقاض دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، أو كما تعرف أيضاَ بالجنوب العربي، ذات الأيديولوجية الاشتراكية التي فقدت اعترافها كدولة مستقلة بعد توقيع اتفاقية الوحدة مع الشمال في مايو  1990، ونشوب الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب في مايو 1994. انتهت الحرب بعد شهرين بانتصار ما كان يسمى آنذاك قوات الشرعية على القوات الانفصالية في يوليو 1994، مُخلفةً العديد من الضحايا والمسرّحين من وظائفهم قسراً من السلك العسكري الجنوبي، وعلى إثرها أُغلقت المصانع وهُمشت الصناعات المحلية التي كانت تعتبر الأولى من نوعها في شبه الجزيرة العربية.

على مدى السنوات الماضية، وفي غالبية مناطق الجنوب اليمني، يرفض الكثير من السكان تسميتهم اليمنيين، لاعتبارهم أن هذه التسمية آتية من الجمهورية العربية اليمنية (شمال اليمن). ويفضلون تسميتهم الجنوبيين، نسبة إلى التسمية التاريخية لأراضي جنوب اليمن. وهي دولة الجنوب العربي ذات السيادة، التي تولّت حكم تلك الأراضي في جنوب وشرق البلد، وكان لها مقعد في الأمم المتحدة وعلاقات إقليمية ودولية. وكانت تملك اقتصاداً ذا تخطيط مركزي كسائر الدول الشيوعية، يعتمد في الغالب على مختلف الصناعات والمنتجات المحلية، من المحاصيل إلى الملابس، ويضع عقبات أمام الاستيراد الخارجي، عدا الآلات الثقيلة التي تستورد من الاتحاد السوفياتي.

منذ بداية التحركات في اليمن مطلع 2011، كان المشهد الجنوبي فيها مختلفاً عن نظيره في الشمال. فبدلاً من رفع أعلام اليمن، رفعت أعلام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ورسمت على الجدران، وأنزلت جميع الأعلام التي تمثل الجمهورية اليمنية من كل مرافق الدولة وساحاتها، من محافظات جنوب اليمن.

لا يسعك إلاّ أن تشعر بأسى الجنوبيين على أنفسهم، ويقول أحدهم وهو من مديرية كريتر: “عام 1994 تكاتفت قوى الشمال واجتاحت عدن بتهمة أن الجنوبيين ملحدون شيوعيون انفصاليون، ويجب إدخالهم إلى الإسلام. وعام 2015، اجتاحوا الجنوب مرة أخرى بتهمة أن الجنوبيين يتعبّدون أكثر من اللازم، وهم دواعش يجب تحرير الجنوب منهم! هل توجد طريقة لإرضاء هؤلاء القوم؟ أفتونا في أمرنا لماذا لا يتركوننا في شأننا فنستعيد دولتنا؟”.
فساد إداري في عصر الوحدة

ويؤكد وديع الهمامي، أحد عمال الصيانة في إحدى محطات الكهرباء التوليدية في عدن، أن حال المؤسسات الحكومية تغير منذ قيام الوحدة “الكارثة”. فعلى الرغم من سياسة البلد الشيوعية في تأميم تدبير الموارد، كان الجنوبيون في وضع أفضل بكثير مقارنة مع الوضع الحالي. وأضاف: “كان كل موظف قادراً على تأسيس أسرة كبيرة بسبب الخدمات التي تقدمها الدولة، من سكن مجاني لكل موظف، ووظائف حكومية لكل الخريجين والمواصلات منخفضة التكلفة، وتوفير الاحتياجات الغذائية المجانية، التي كانت كافية رغم قلّتها”. لكن بعد الوحدة، يوضح الهمامي: “اختلف الأمر وتغيّر النظام في البلاد، واستبدل كل مديري العموم، خصوصاً في عدن، بمديرين من الشمال أو تابعين للحزب الحاكم في الشمال، واستبدلوا مؤسسات النظام والقانون بمؤسسات الرشوة والفساد والتبعية”.

ويرى الهمامي أن المؤسسات الحكومية الآن ليس فيها قانون، بل تحكمها عصابات تتعاون مع رؤوس الأموال للتضييق على حياة المواطن، من خلال سياسة إدارة الأزمات، لإتمام الصفقات والمتاجرة في السوق السوداء وتقاسم الأرباح، وتدمير البنية التحتية عمداً. ويؤكد: “هذا الأمر لم يحصل أيام الحزب الاشتراكي نظراً لنزعة الولاء الذي كان يكنه المواطن للجنوب، والذي تبدد منذ قيام الوحدة”.

اليمن أفقر دول الشرق الأوسط رغم وفرة الموارد فيها

الهرولة المفاجئة غير المدروسة لقيادات الحزب الحاكم في عدن إبّان تفكك الاتحاد السوفياتي، وتغيير النظام الاقتصادي في جنوب اليمن، وانحسار الأموال الاشتراكية وتحويل الجنوب إلى دولة رأسمالية، من دون رؤية مستقبلية واضحة، بالإضافة إلى نظرة الشمال للجنوب كمجرد أراض نفطية تم ضمّها إلى الشمال، لا كشريك في الحكم، هذه العوامل كلها ساهمت في تكوين بذور للحرب الأهلية عام 1994. وقد أدت الحرب إلى المزيد من التردي في الأوضاع الاقتصادية، التي جعلت اليمن أفقر دول الشرق الأوسط، رغم وفرة الموارد فيها.

في مقهى الشجرة الشهير في منطقه الشيخ عثمان، الذي يُعد أكثر الأماكن شعبية لتجمع ممثلي الحراك الجنوبي، تحدث محمد الكازمي أحد أعضاء الحزب الاشتراكي قبل الوحدة اليمنية. يصفُ كيف تغيرت أحوال المواطنين مع الوحدة، وعدم تأقلمهم معها منذ الأشهر الأولى. وقال: “أيام الحزب الاشتراكي اعتاد المواطن نمطاً معيناً. فكان يأتي ممثلون للدولة يقرعون أبواب البيوت لتسجيل أسماء متخرجي الثانوية العامة، لإعطائهم منحاً للدراسة في دول الاتحاد السوفياتي. ويعود الطالب بعد سنوات ليجد وظيفته الحكومية في انتظاره. بالإضافة إلى امتيازات أخرى كثيرة، كان لدينا كل مقومات الحياة الكريمة والبسيطة التي لا تستلزم من المواطن الكدح ليلاً ونهاراً ليحصل عليها”.

ويضيف: “هذا كله انتهى بعد الوحدة، فحاربت الدولة التعليم في الجنوب، وتم استبدال مناهجنا الدراسية الحديثة بمناهج أخرى لم تزرع إلا التطرف والجهل في جنوبنا. كانت مناهج طمست معالم هويتنا وغيرت ثقافة أبنائنا المنفتحة. الآن أوائل الثانوية العامة في الجنوب تعطيهم الدولة فتات المنح الدراسية، ويذهب نصيب الأسد إلى طلاب الشمال”. أما خريجو جامعات الجنوب بحسب الكازمي، فهم “ينتظرون بضع سنوات ليتم توظيفهم، بينما يأتي أبناء الشمال بتصاريح وزارية للعمل في أراضينا، وأعمارهم لا تتجاوز أحياناً 20 عاماً”.

هذا بالإضافة إلى برامج الإسكان الحكومية التي حُذفت من قاموس الدولة بعد الوحدة، كما حذفت كل مقومات وأساسيات الحياة الكريمة لتذهب أموال الجنوب الغني بموارده، إلى عقارات وحسابات كبار مسؤولي الدولة في أوروبا وآسيا.
تسيير أمور المواطن في عهد ما بعد الوحدة أمرٌ صعب

من أحد أحياء مديرية التواهي الشعبية، تحدث الخظر عبدالله اليزيدي الذي شغل منصب سكرتير مأمور بلدية في عدن منتصف السبعينات. وشرح كيف كان دور البلديات في الجنوب والوزارات والسلطة المحلية فعالاً. وكيف كانت تتم معاملات المواطنين في فتره قياسية، وفقاً للقانون الصارم. لكن بعد الوحدة، أصبح المواطن غير قادر على عمل أتفه المعاملات الورقية دون الرجوع إلى صنعاء، بسبب المركزية الإدارية. وذلك يستغرق فترة طوية للذهاب وإتمام المعاملة ودفع ثمن القات لمستهلكيه، ما يجعل الكثير من الأسر الفقيرة يعدلون عن إتمام معاملاتهم.

مع اندلاع الأزمة الأهلية في مارس العام الماضي، وصلت دعوات انفصال الجنوب واستعادة دولته السابقة بشكل أقوى، منذ بداية نشاط الحراك الجنوبي عام 2007، والواضح أن شعب الجنوب قد عقد العزم على مواصلة مسيرته حتى نيل استقلاله.

التعليقات

  1. كويس مقال جيد وباذن الله لن تعود تلك الحقبه المظلمه وجلبها لليمننه البائسه والمتخلفه والجالبه لكل الاوبئه والامراض المختلفه
    وياصاحب هذاالموقع لماذا لم تنشرايضا مقالات تهم المواطن الجنوبي العربي مثل هذاالمقال المنشورالان في موقع شبوه برس
    الجنوبي العربي الحقيقي وليس المستورد من خارج الجنوب وهذاالمقال هو للكاتب علي محمد الحمزه وموضوعه هو كالتالي
    الى من اضاعوالجنوب العربي في عام 1990 وقبل هذاالعام كان يجب نشرهذاالمقال في موقعك هذا ليتعرف القارئ الجنوبي على
    اكبرنكبه حللت على الجنوب العربي بفرض اليمننه البائسه المتخلفه الناقله لكل الاوبئه والتخلف والهمجيه واكمولها هؤلاء الاغبياء
    القيادات الجنوبيه المتهوره والمتسرعه والمزاجيه بوحده اندماجيه مع اقذربشر وانذل واكثرمكرا وخديعه وغدرولصوصيه انشرياهذاانشر
    بدلا من اخبار مكرره وممله والاهذه هي حدود نشركم بناءعلى الاوامر ولكن تاكد ان الجنوبيين سائرون وباقصى سرعه نحو فك الارتباط
    من هذه الوحله الكارثه وذلك لكي نضمن لنا ولابنائنا واجيالنا حياه حره كريمه وامنه ومتطوره ومستقره على تراب بلدنا الجنوب العربي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *