التخطي إلى المحتوى
أسباب ودوافع استقبال الإمارات لأكبر دفعة من سجناء غوانتانامو
GUANTANAMO, UNITED STATES: One of the 80 Al-Qaeda and Taliban detainees (2nd L) wearing an orange jump suit can be seen in his cell at Camp X-Ray surrounded by heavy security at the Guantanamo Naval Base, US, 17 January, 2002. Thirty more detainees are scheduled to arrive 17 January bringing the total number of detainees at the camp to 110. AFP PHOTO/ROBERTO SCHMIDT (Photo credit should read ROBERTO SCHMIDT/AFP/Getty Images)

بوابة حضرموت / CNN

GUANTANAMO, UNITED STATES: One of the 80 Al-Qaeda and Taliban detainees (2nd L) wearing an orange jump suit can be seen in his cell at Camp X-Ray surrounded by heavy security at the Guantanamo Naval Base, US, 17 January, 2002. Thirty more detainees are scheduled to arrive 17 January bringing the total number of detainees at the camp to 110. AFP PHOTO/ROBERTO SCHMIDT (Photo credit should read ROBERTO SCHMIDT/AFP/Getty Images)

بوابة حضرموت / الدكتور عبدالخالق عبدالله

 

 في عملية هي الأكبر من نوعها رحلّت الولايات المتحدة 15 من سجناء غوانتانامو، 12 يمني وثلاثة أفغانيين إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الأسبوع الماضي. ما أثار الانتباه في هذا الخبر الذي جاء مفاجئا، ليس ترحيل السجناء إلى دولة الإمارات بل ترحيل هذا العدد الكبير منهم إلى دولة واحدة، خاصة الإمارات، ومما يضاعف من أهمية الخبر أن هذه ليست المرة الأولى التي تستقبل فيها الإمارات سجناء غوانتانامو. إذ سبق لدولة الإمارات أن استقبلت ستة سجناء من معتقل غوانتانامو في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 لكن بأقل قدر من الاهتمام الإعلامي في حينه، بل أن البعض تناسى ترحيل الولايات المتحدة تلك الدفعة الأولى، التي عادت للواجهة من جديد الأسبوع الماضي في سياق الاهتمام بترحيل هذا العدد الكبير من سجناء غوانتانامو إلى الإمارات في أكبر ترحيل من نوعه حتى الآن. فلا يُعرف أن دولة أخرى استقبلت أكثر من ستة سجناء في دفعة واحدة، كما لا يُعرف أن دولة أخرى استقبلت دفعتين عدا الإمارات.

سبق لـ56 دولة غير الإمارات أن استقبلت سجناء غوانتانامو بأعداد صغيرة ومتفرقة، من سجينين إلى ستة سجناء، خلال 15 سنة الأخيرة، من بينها دول أوروبية وأفريقية وآسيوية وفي أمريكا اللاتينية وأستراليا ودول عربية، منها الأردن التي استقبلت خمسة، والصومال التي استقبلت ثلاثة، وليبيا وتونس وموريتانيا اللاتي استقبلت كل واحدة منها اثنين. كما استقبلت دول خليجية مثل قطر ستة سجناء واستقبلت البحرين خمسة في أوقات سابقة. ولكن الإمارات وحدها تميزت عن بقية الدول باستقبال سجناء غوانتانامو مرتين وتميزت باستقبال أكبر عدد منهم حيث يُعتقد أن عددهم بلغ 21 سجينا حتى الآن. ولا يجب استبعاد ترحيل المزيد من سجناء غوانتانامو إلى الإمارات مستقبلا.

كل ذلك يثير السؤال: لماذا استقبلت الإمارات دون غيرها من الدول دفعتين وتستضيف حاليا أكبر دفعة من سجناء غوانتانامو وهل هناك خشية من تأثير استضافة هذا العدد الكبير نسبيا على أمنها واستقراراها المشهود له؟ وما الذي يدفع دولة خليجية صغيرة نسبياً أن تستقبل هذا العدد الكبير من سجناء يُعتقد أن بعضهم من أكثر السجناء خطورة في العالم؟

المعروف أن أكثر من 80 في المائة من سجناء غوانتانامو لم تثبت ضدهم تهم بينة بارتكاب أعمال إرهابية. ولا يوجد دليل قاطع على ارتكابهم أعمالا إجرامية شديدة الخطورة، معظم هؤلاء السجناء أبرياء، وقد تأكدت الحكومة الأمريكية من براءتهم، لكن ظروف دولهم المضطربة أمنيا جعل من الصعب لهؤلاء السجناء مغادرة المعتقل لأوطانهم. كما أن التسييس الشديد لقضية معتقل غوانتانامو في أمريكا حال دون محاكمتهم محاكمة عادلة على الأراضي الأمريكية وحال دون انخراطهم في المجتمع الأمريكي القادر على استيعابهم ربما أكثر من أي مجتمع آخر. لذلك ظل سجناء غوانتانامو عالقون في هذا المعتقل السئ الذكر، وتحول المعتقل إلى وصمة عار وبقعة سوداء في تاريخ أمريكا ولم يتمكن الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، من تحقيق وعده الانتخابي بإغلاق معتقل غوانتانامو، وكل ما يستطيع أوباما فعله فيما تبقى لديه من فسحة هو تقليص عدد السجناء إلى أقل عدد ممكن.

ولا شك أن الإمارات حين قررت استقبال هذا العدد الكبير من سجناء هذا المعتقل كانت على اطلاع كامل بتاريخ هذا المعتقل وظروف سجنائه وبراءة أغلبيتهم من تهم الإرهاب، لقد درست الإمارات ملف كل حالة من حالات السجناء التي استقبلتهم بدقة تامة وحرص شديد وتأكدت بما لا يدع مجالا للشك أنهم لا يشكلون خطورة على أمنها واستقرارها. الإمارات من أكثر دول العالم نشاطا في محاربة الإرهاب والجماعات الإرهابية ولديها قائمة بالمنظمات الإرهابية هي الأكثر صرامة، كما أنها حريصة كل الحرص على أمنها، لذلك تبدو أنها واثقة تماما من قدراتها للتعامل مع أي خطورة متوقعة لاستقبال هذا العدد الكبير نسبيا من سجناء غوانتنامو. كما أن الخبرة السابقة المستفادة من التعامل مع الدفعة الأولى من السجناء ستوظف بفعالية في التعامل مع العدد الكبير الذي تم ترحليه الأسبوع الماضي.

إن ترحيل سجناء غوانتانامو إلى أي دولة في العالم يخضع لعدة اعتبارات ربما أهمها رغبة السجناء ورغبة الدولة المستقبلة. ترحيل السجناء خارج معتقل غوانتانامو هو اختيار شخصي للسجين في المقام الأول. لا يمكن قانونيا فرض دولة ما على السجناء بما في ذلك عودته عنوة إلى دولته، هذا الاعتبار الشخصي مهم جدا في ترحيل سجناء غوانتانامو. لا بد أن تكون دولة الاستقبال اختيار شخصي بحت من بين عدة خيارات. أغلب سجناء غوانتانامو ينتمون لدول فقيرة وتعاني من ظروف أمنية وسياسية غير مستقرة والمعيشة فيها صعبة واحتمال عودته للسجن في دولهم وإعادة محاكمته واردة جدا، لذلك لا يفضل سجناء غوانتانامو العودة لدولهم مثل أفغانستان واليمن والصومال والسودان.

من المؤكد أن سجناء الدفعة الأولى والثانية اختاروا الإمارات طوعا من بين دول عديدة، وهناك عدة دوافع لاختيار الإمارات ربما أهمها: القرب الجغرافي من أوطانهم، اليمن وافغانستان والصومال، ووجود أقرباء لهم في الإمارات التي تتميز بوجود نحو 200 جنسية مختلفة في أراضيها، ووجود جالية أفغانية ويمينة كبيرة في الإمارات، بالإضافة إلى استقرار الإمارات السياسي وازدهارها الاقتصادي وضمان معيشة كريمة وحياة آمنة لسكانها، ما يجعلها من أكثر الدول جاذبية للأجانب كما أن دبي تأتي في المرتبة الثانية عالميا بقائمة المدن المفضلة لدى الأجانب في العالم عام 2015.

لكن حتى لو أن الامارات كانت الخيار الشخصي المفضل لسجناء غوانتانامو، لابد أيضا من موافقة مسبقة من الدولة المستقبلة، ولابد أن لهذه الدولة شروط ودوافع لاستقبال سجناء غوانتانامو. الشروط التي تضعها الدول مهمة والدافع لاستقبال سجناء غوانتانامو بنفس القدر من الأهمية. ويأتي الدافع الإنساني في مقدمة الدوافع لاستقبال سجناء غوانتانامو، إذ عانى هؤلاء كثيرا جراء اعتقالهم غير المبرر الذي تم في ظروف استثنائية ومرتبكة، كما أن اعتقالهم طال بأكثر مما كان متوقعا، وانسد أفق الحياة الحرة والكريمة أمامهم حيث بلغ بعضهم اليأس من الحياة. وقد حاولت منظمات حقوقية وإنسانية وتطوعية عديدة إنهاء مأساة سجناء غوانتانامو لكن دون جدوى. لذلك فإن الدول التي استقبلت سجناء غوانتانامو أخذت هذا البعد الإنساني في الاعتبار وكانت دافعها الأول المساهمة في إنهاء معاناة إنسانية بلغت أقصى حدودها.

لكن رغم أهمية الدافع الإنساني إلا أن الدول ليست جمعيات خيرية وتطوعية بل هي كيانات سياسية لها اعتبارات سياسية عندما تقرر استقبال سجناء غوانتانامو. وربما كان أهم دافع لاستقبال أي دولة لهؤلاء السجناء أنه يأتي تلبية لطلب بل إلحاح الولايات المحتدة الأمريكية. استقبلت الإمارات سجناء غوانتانامو بناء على طلب أمريكي رسمي من إدارة أوباما للمساعدة في إغلاق هذا الملف الشائك، وأمريكا دولة صديقة وحليفة والعلاقات بين الإمارات وأمريكا متشعبة جدا وهناك تواصل مستمر وشبه يومي وعلى أعلى المستويات بين البلدين. وليس من المستبعد أن الرئيس أوباما طلب شخصيا من القيادة في الإمارات مساعدته لتحقيق وعده الانتخابي في إغلاق معتقل غوانتانامو، وربما وجدت الإمارات أن الاستجابة لهذا الطلب الشخصي من الرئيس ومن الحليف الأمريكي سيُسجل لصالح الإمارات في سجل العلاقات البينية بين البلدين وربما سيكون له عائد سياسي مستقبلي، فالإمارات حريصة على تقوية علاقاتها مع واشنطن والارتقاء بها لمستويات جديدة خلال المرحلة الصعبة القادمة. وربما لا تتوقع الإمارات أي عائد سياسي سريع من تلبية طلب الرئيس الأمريكي لكن في سياق المقايضات السياسية الكبرى بين الدول أصبح للإمارات باستقبالها هذا العدد الكبير من سجناء غوانتانامو دلالة ليس على رئيس أمريكي سيرحل قريبا بل على واشنطن، سيُذكر دائما في سجل العلاقات بين أبوظبي وواشنطن أن الإمارات كانت من أكثر الدول تعاونا مع الإدارة الأمريكية وأنها استقبلت أكبر عدد من سجناء غوانتانامو وساهمت بفعالية أكثر من غيرها في إغلاق هذا المعتقل السيء الذكر. كان ذلك سيُذكر في سجل العلاقات بين البلدين المليء بمثل هذه المبادرات التي تصب في سياق تعميق العلاقات بين الحليفين. لذلك كان ملفتا للنظر أن بيان وزارة الدفاع الأمريكية شكر الإمارات على قبولها استقبال السجناء.. أمريكا ممتنة للإمارات وهذا في حد ذاته مصدر ارتياح، كما أن منظمات حقوقية عديدة أعربت عن تقديرها لمبادرة الإمارات.

مهما كانت الدوافع فالمؤكد الوحيد أن استقبال الإمارات لسجناء غوانتانامو تم وفق شروطها وضوابط عديدة وضعتها وقبلت بها أمريكا وتمت بموافقة مسبقة ومكتوبة من قبل السجناء وربما أهم تلك الشروط: قبول السجناء طوعا بالمراقبة الأمنية الدقيقة على مدى 24 ساعة لفترة زمنية ممتدة، وقبول السجناء طوعا بأن تكون تنقلاتهم في نطاق جغرافي محدود وضيق ومتفق عليه داخل الإمارات والتزامهم بعدم السفر للخارج لفترة طويلة قادمة، والقبول طوعا بمراقبة اتصالاتهم الهاتفية والشخصية والإلكترونية، وقبولهم الخضوع لبرنامج تأهيل لعودتهم لحياة طبيعية كأفراد لا يشكلون أي خطر على المجتمع، ويعيشون وفق قوانين الدولة التي لا تتهاون إطلاقا مع أي عبث بأمنها واستقرارها.

لقد سجلت الإمارات نقاطا عديدة لصالحها حينما قررت استقبال هذا العدد الكبير من سجناء غوانتانامو الأسبوع الماضي، إذ أكدت أنها لا تتردد في اتخاذ قرارات صعبة ومدهشة. كما أن جرأة وسرعة اتخاذ القرار هو أحد أهم سمات الدبلوماسية الإماراتية وأهم ميزة تتميز بها الدولة عن بقية دول المنطقة، ثم إن الإمارات أرادت أن تسجل في رصيدها أنها من أكثر دول المنطقة حرصا على التعاون مع أمريكا في شتى المجالات، وتؤكد مجددا أنها حليف يعتد عليه في الأوقات الصعبة وفي المهام المعقدة. والأهم من كل ذلك، جاء ترحيل هذا العدد الكبير وغير المسبوق من سجناء غوانتانامو ليثبت أن الإمارات لديها ثقة غير عادية بقدراتها الأمنية، ولا يجب على أحد أن يشك بأن الإمارات صارمة في مواجهة الإرهاب وأنها قادرة على محاربة الإرهاب بل هي في مقدمة الدول في الحرب ضد تنظيم “داعش” الإرهابي. كما سيُسجل للإمارات أنها كانت أكثر دولة ساهمت في إنهاء معاناة سجناء غوانتانامو وشاركت بفعالية في جهود إغلاق هذا المعتقل السيء الذكر الذي يجب أن يغلق كليا ونهائيا اليوم قبل الغد. 

 

* أستاذ علوم سياسية من الإمارات العربية المتحدة ورئيس المجلس العربي للعلوم الاجتماعية.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *