التخطي إلى المحتوى
الوقاية خير من العلاج

 

بوابة حضرموت /محمد عبد المنعم الصاوى

 

 ن

 

حكمة قديمة، ولكنها ما زالت صالحة، وأظنها ستظل كذلك لما شاء الله.. الوقاية خير من العلاج: حكمة ظلمناها وظلمنا أنفسنا حينما قررنا أن نقصرها على المجال الصحى، الذى لا أشكك فى استفادته العظيمة منها .

 

من باب تسطيح المعانى، وإهمال اللغة القيمة، ومدلولاتها، تصرفنا مثل جهاز الكمبيوتر محدود الذكاء، وانخدعنا بكلمة العلاج التى جاءت فى ختام الحكمة، فوضعناها فى نفس خانة المرض! أزعم -مطمئنًّا- أن هذه الحكمة لم تُصَغْ لتعبّر فقط عن أهمية الاستعداد لمواجهة المرض قبل الإصابة به، وإنما صيغت لتصبح منهجًا فكريًّا؛ ينقذ الإنسانية من مخاطر عدة، ويحل الكثير من المشكلات والأزمات، ويؤدى بالمجتمعات التى تنتهجه إلى حياة ذات جودة أعلى.

 

سألت من وقفوا إلى جوارى: أيهما أفضل: أن تصلح فرامل السيارة بمجرد إدراكك لتراجع كفاءة أدائها، أم تنتظر حتى يقع حادث شديد، وتقوم بإصلاح السيارة وعلاج المصابين -هذا بالطبع إن خرجت من الحادث سليمًا ولم تسجن!-؟

 

أكملت: الوقاية خير من العلاج، أليس كذلك؟ هزوا رؤوسهم بالموافقة، وابتعدت عنهم لأجد مكانًا أكثر هدوءًا؛ أكتب فيه هذا المقال.

 

التعليم وقاية، وهو خير من محاولة التغلب على المشكلات التى تترتب على العيش فى ظلام الجهل.. الديمقراطية وقاية من بطش الحاكم واستبداده، وهى -بلا شك- أقصر الطرق للقضاء على الاستثناء الذى يفتح كل أبواب الفساد.

 

وقاية البيئة خير من علاجها بعد التلوث.. أقول هذا تأييدًا للموقف البطولى لوزيرة البيئة: الدكتورة ليلى إسكندر، التى تستميت وحدها دفاعًا عن سلامتنا جميعًا وسلامة وطننا من جنون العودة إلى حرق الفحم فى مصانع الإسمنت.. سِمعتُها تقول -بشجاعة يحسدها عليها الرجال-: هل خرج الشعب إلى الميادين، كى نحضر له الفحم، وما يترتب عليه من آثار شديدة الخطورة؟!

 

الثقافة أيضًا وقاية، وهى بكل المقاييس أفضل وأرخص من العلاج.. إهمال الثقافة لعقود متتالية أدى إلى انتشار وتوالد الخفافيش الذين يحبون الظلام، وفى الظلام لا ترى إلا فوهات السجائر وكراسى الشيشة التى يتفنن مدخنوها فى مزجها بكل أنواع المخدرات، فصرنا بلطجية ومتحرشين ومنافقين ومرتشين…

 

لم ندرك بعدُ أننا ما زلنا ندفع ثمن إهمال الثقافة، فلجأنا إلى مكافحة الجريمة بإنشاء الأسوار الحصينة وتأجير الحراس المصابين بالانتفاخات، الذين نقول عن مفردهم (بودى جارد)، وغير ذلك من الحلول باهظة التكاليف التى أُقرّ بأنه لا بد منها فى الأوضاع المتردية التى وصلنا إليها.

 

التراجع الحاد فى الحالة الثقافية أدى إلى التعالى على أبسط قواعد المرور، فسارت السيارات عكس الاتجاه، وانتظرت فوق الأرصفة، إلى جوار المقاهى غير المرخصة، فلم يعد هناك مكان للمشاة.

 

غياب الثقافة غياب للضمير، وهو ما يشجع على تحطيم الاقتصاد الوطنى بالتهرب من الضرائب، وسرقة الكهرباء، وحقوق الملكية الفكرية للعلوم والفنون، فنرصد مطاردات مضحكة لمحاولة تدارك الموقف دون جدوى.

 

الوقاية خير من العلاج، وأوفر كثيرًا، فمن الأفضل أن نبدأ بتسليح أنفسنا وأبنائنا بالأخلاق والقيم، حتى يفلس تجار المخدرات، ويضطروا للبحث عن عمل شريف يقتاتون منه.

 

الاهتمام بالثقافة سيجعل كل مواطن يدرك حقه فى المشاركة فى صنع القرار فى بلده، فلا نسمع مرة أخرى من يستكثر الديمقراطية علينا.

 

لعلكم تتفقون معى أكثر من أى وقت مضى أن الثقافة خير من العلاج

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *