التخطي إلى المحتوى
تعرَّف على تاريخ اللجان الشعبية في اليمن

1215

 

بوابه حضرموت / سبق

 

يرى الكثير من الخبراء والمحللين السياسيين أن تسليح اللجان الشعبية الموالية للشرعية في اليمن أفضل الحلول كبديل للحاجة للتدخل البري مع دعمها. فما هي هذه اللجان الشعبية؟

 

ربما تكون اليمن حالة خاصة في نظامها القبلي؛ إذ تشير بعض الدراسات إلى أن القبائل تشكِّل نحو 85 % من تعداد السكان البالغ عددهم 25.408.288 من فبراير 2013. ووفقاً للإحصائيات، فإنه يوجد ما يقارب 200 قبيلة في اليمن، وقد أوصلها بعض الباحثين إلى أكثر من 400 قبيلة؛ إذ يعتبر اليمن أكثر بلدان العالم العربي قبلية من ناحية نفوذ زعماء القبائل وتغلغلهم في مفاصل الدولة. الخارطة القبلية في اليمن لم تكن جامدة؛ فالبنية القبلية لم تتحدد على أساس القرابة، بل أيضاً على أسس سياسية واقتصادية؛ فالقبيلة اليمنية في ظل غياب الدولة كانت تضطلع بجميع الوظائف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي يمكن للدولة أن تقوم بها؛ لذلك كانت القبيلة اليمنية تنظيماً حربياً، يضمن أمن أفراده وحماية ممتلكاتهم، وكانت تنظيماً ينظم استخدام الموارد الطبيعية، وأيضاً تنظيم العلاقات وتسوية الخلافات بين أفراد القبيلة.

 

ظهور اللجان الشعبية
ظهر اسم (اللجان الشعبية) عندما رأى بعض سياسيي اليمن أن هناك أهمية للاستفادة من المليشيات القبلية المسلحة – إن صح التعبير – لمساندة الجيش اليمني، سواء في حروبه الداخلية أو الخارجية. وعندما قامت ثورة 26 سبتمبر ازداد الشعور بأن الجيش الوطني لليمن ليس بحال جيدة، وأن الثورة بحاجة لحماية؛ فأصدرت الدولة في 1963 “قانون التجنيد”، الذي لم ينفذ بشكل جيد نظراً لبنية القبائل. ففي مناطق ضعف الترابط القبلي كان التطوع فردياً، وهؤلاء تم ضمهم لما سمي بالحرس الوطني، وفق الهيكلة العسكرية والرتب.

 

هيمنة القبيلة
أما في المناطق التي تتسم بالانتماء والولاء الأكبر للقبيلة، مثل بعض المناطق الشمالية، فكانوا يتقدمون للتجنيد بشكل جماعي، تحت قيادة شيوخهم. وقد تم تأسيس ما سمي بـ”الجيش الشعبي” لاستيعابهم. ورغم التسمية النظامية إلا أن قياداته طغت عليها القبلية. وكمثال، تشير بعض المصادر إلى أن الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وحده كان يقود قوة من 20 ألف قبلي مسلح في الحرب بين الجمهورية والملكية.

 

الولاء بين الجيش والقبيلة
هذا الحراك ذو الولاء القبلي لم يكن متعاوناً بشكل كامل مع الجيش النظامي؛ ما أضعف الأخير؛ وأبقى الحاجة من قبل الدولة إلى الاستعانة بالجيش الشعبي القبلي؛ لذا كان للمليشيات القبلية “القوات غير النظامية” دور مهم في دعم جيش الشمال ضد جيش الجنوب عامي 1972 و1979م. وفي التسلسل التاريخي، وفي فترة الإرياني، دخل العسكريون طرفاً في معارك السياسة، وعجزت الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها بسبب استنزاف شيوخ القبائل ميزانية الدولة. ومروراً بحركة 13 يونيو التصحيحية بقيادة “الحمدي” (1974 – 1977)، الذي حاول تحجيم دور مشايخ القبائل في الجيش والدولة، وألغى وزارة شؤون القبائل، وقام بتجميد العمل بالدستور، وحل مجلس الشورى، وأبعد العديد من شيوخ القبائل من قيادة المؤسسة العسكرية، لكنه اغتيل قبل أن يُنهي ما بدأه.

 

مصلحة شؤون القبائل
وفي حرب 1979م بين الشطرين طالب الرئيس صالح وقتها “الأحمر” بأن يقوم الأخير بتعبئة القوى القبلية لمواجهة حاسمة. وسعى “صالح” وقتها لتعزيز مكانة مشايخ القبائل في السلطة؛ فأنشأ علي عبد الله صالح في الثمانينيات “مصلحة شؤون القبائل”؛ لتقوم بدور وزارة شؤون القبائل نفسه، التي ألغاها الرئيس المغتال إبراهيم الحمدي في تنظيم توزيع الأموال على النخب القبلية، وأسس لها فروعاً في كل محافظات اليمن.

 

“المخلوع” شجّع المليشيا
وطبعاً، استفاد بذلك صالح من القبائل في دعم جيشه ضد الجنوب. كما كرر المخلوع الاستعانة بتلك المليشيا القبلية في حروبه الست ضد المليشيات المتمردة “جماعة الحوثي” في محافظتي صعدة وعمران خلال “2004 – 2009″، واستعانت الحكومة بها مرة أخرى في محاربة تنظيم القاعدة.

 

معيار اللجان القبلية
القبائل اليمنية – كما تؤكد المصادر التاريخية – كانت دائماً على استعداد لدخول الحروب مع أي كان ضد أي كان. فعلى مدى التاريخ اليمني كان مشايخ القبائل ينظرون إلى الحرب باعتبارها وسيلة إنتاج، كما تم اللجوء للتجنيد الإجباري كوسيلة للسيطرة على شباب المناطق التي يكثر بها التمرد.

 

خمسة ملايين قطعة سلاح
كمكافأة لجهودهم تم إغداق الأموال والهبات والأراضي ونحوها على شيوخ القبائل في الفترات الأخيرة من القرن العشرين، بل مُنح بعضهم رتباً عسكرية عالية ومناصب كبرى في الدولة، وفُتح المجال لتسليحهم إلى درجة أن مخزونها من الأسلحة الخفيفة يفوق مخزون الحكومة؛ فقد قُدر مخزون الحكومة من الأسلحة الخفيفة بنحو 1.500.000 قطعة سلاح، بينما قدر ما بيد القبائل بأكثر من 5 ملايين قطعة سلاح. هذا الأمر – كما يرى المتابعون – أضعف الجيش والدولة اليمنية؛ فتوافُر السلاح لدى القبائل أعاق الحكومة عن إنجاز وظائف الدولة، كاستخراج الموارد الطبيعية، ومعاقبة الخارجين على القانون، وتنظيم استخدام المياه.. هذا بالإضافة إلى “توريط الجيش النظامي في صراعات بينية حتى تستمر حاجة الدولة إلى شيوخ القبائل”.

 

تنامي الأدوار وتحوُّل الولاءات
في تقسيم قد لا يبدو واضحاً للكثير، فإن اللجان الشعبية طبعاً لها ولاءات مختلفة. ففي المحافظات الشمالية والوسطى توجد اللجان الشعبية التابعة للحوثيين. كما أن هناك لجاناً شعبية أخرى، جرى تأسيسها في 2010 – 2012 في محافظتي أبين وشبوة جنوب البلاد لمساندة الجيش في حروبه ضد تنظيم القاعدة، ولا تزال منتشرة هناك، وجرى نقل الكثير من عناصرها مؤخراً إلى مدينة عدن للمساعدة على حماية المدينة من هجوم مفترض للجان الشعبية التابعة للحوثيين. ومن هنا يمكن التمييز بين اللجان التي يعول عليها التحالف العربي بقيادة السعودية للقيام بدور مهم جداً.

 

اللجان الشعبية تتجاوز “النظامية”
وبغض النظر عن ذلك، فقارئ التاريخ يدرك جيداً أن اللجان الشعبية عموماً تجاوزت أدوارها إلى ممارسة أدوار تخص الأمن والجيش؛ ما تسبب في خلق مصدر للفوضى المسلحة. هذه اللجان الشعبية لها أولوية رئيسية، وهي مالية في الغالب، فأي إخلال من الحكومة بذلك تتحوّل بين عشية وضحاها إلى خصم للجيش ومصدر للفوضى المسلحة.

 

“ثورية” أم “شعبية”؟!
اللافت أن الطرفين يحشدان لجاناً شعبية، تحمل أسماء مختلفة، سواء تلك التي تخضع إلى السلطة الشرعية للرئيس هادي في عدن، أو تلك التي تخضع إلى سلطة المتمردين الحوثيين في صنعاء.. وتحت أسماء مختلفة، كاللجان الشعبية حيناً، واللجان الثورية حيناً آخر. في صنعاء العاصمة مثلاً تجاوزت اللجان الشعبية الحوثية الدور القتالي والأمني إلى الدور القضائي؛ إذ شكّلت لجاناً للفصل بين الخصوم في خصامات المواطنين. ووفقاً لتقارير متخصصة، فنسخة الحوثيين منها لم تطفُ على السطح بشكل منظّم إلا بعد سيطرتهم على العاصمة صنعاء، وأصبح من العادي انتشار المسلحين القبليين التابعين لجماعة الحوثيين، الذين تصفهم بــ”اللجان الشعبية” في شوارع العاصمة اليمنية صنعاء، ويتولّون مهامَّ أمنية.

 

غضب شعبي
هذا طبعاً تسبب في تنامي الغضب الشعبي المحلي، وخصوصاً مع كون الأمر لم ينتج منه محاسبة، مع عجز مطبق للأجهزة الرسمية والأمنية التي حلّت الأولى محلّها بكل ما يعنيه ذلك من سقوط متوالٍ للدولة ومؤسساتها. ومن أكثر التأثيرات السلبية على الجيش كان تعيين قيادات اللجان الشعبية في مناصب أمنية حساسة، على الرغم من خوض هذه القيادات معارك شرسة ضد مؤسسة الجيش نفسها؛ وهو ما رفع من خطر تحويل مؤسسة الجيش (هشة الهوية أصلاً) إلى مؤسسة مليشاوية متكاملة الأركان.

 

لجان “الحوثي”.. تدمير اليمن
العديد من المحللين السياسيين يرى أن ظهور “الحوثي” كقبيلة مسلحة كان من العام 2011م، ثم في العام 2014، لتكون هذه القبيلة جماعة مسلحة صاحبة الفصل في القرارات الرسمية، من خلال صعودها على أيدي لجانها الشعبية الخاصة بها هذه المرة. هذه اللجان الشعبية الحوثية خصوصاً مستمرة في خسارة اليمن؛ إذ بمجرد سيطرة الحوثيين على مؤسسات الجيش توقف أغلب الدعم المباشر وغير المباشر المادي وغير المادي العسكري الذي قدّمته دول إقليمية وغربية في السابق إلى اليمن.

 

“اللجان الشعبية”.. مأزق الإصلاح
الخبراء السياسيون يرون أيضاً أن أي اتفاق سياسي مقبل في اليمن سيضطر إلى التطرّق إلى هذه القضية بكل تفاصيلها؛ لكونها سبب النزاعات على الصعيدَيْن العملي اليومي. وهنا تبرز أهمية قرار مجلس الأمن أمس بمنع تدفق الأسلحة لغير أي جهة لا تتبع للشرعية اليمنية. حالياً، ووفقاً للبيانات الصحفية اليومية للمتحدث الرسمي باسم تحالف “عاصفة الحزم”، هناك تحرٍّ دقيق لمن هم تحت مظلة “الشرعية”، وهم الذين يعول عليهم في قيادة المنعطف لاستعادة الشرعية اليمنية، ويقوم التحالف بدعمهم لوجستياً وعسكرياً وفق خطط مرحلية دقيقة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *