التخطي إلى المحتوى
ستيفن هوكينج . . .عبقرية القرن الواحد والعشرين

بوابة حضرموت / عيدروس النقيب

5

فقد المجتمع العلمي البريطاني والأوروبي والعالمي عموما يوم أمس واحداً من عبقريات القرن العشرين والواحد والعشرين في علوم الفيزيا والفلك وفي المواقف الاجتماعية والإنسانية الاستثنائية، إنه العالم الفيزيائي الشهير ستيفن هوكينج، صاحب أشهر النظريات والاكتشافات والاختراعات العلمية في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين.
ولد ستيفن هوكينج في 8 يناير من العام 1942م في مدينة أوكسفورد البريطانية، لوالدين متعلمين يعملان في الحقل الأكاديمي، ومع ذلك فكانت أسرة هوكينج تعاني من الضائقة المالية وتعيش حياةً متواضعة وبسيطة، ويقال أن الأسرة كانت غريبة الأطوار حيث كان ستيفن ووالداه يقضيان الساعات الطوال في قراءة الكتب حتى وهم يتناولون وجبات الطعام،  وقد عرف عن ستيفن هوكينج رداءة مستواه التعليمي في المراحل المبكرة،  لكن ما إن بدأ يظهر بعض التفوق في مراحل لاحقة حتى بدأت تظهر عليه علامات الإصابة بواحد من أغرب الأمراض العضوية وهوالمرض الذي أفقده الكثير من القدرات الذهنية والجسدية والحركية طوال حياته العلمية والعملية اللاحقة حتى يوم وفاته.
عاني هوكينج من شكل نادر مبكر الظهور وبطيء التقدم من التصلب الجانبي الضموري، المعروف أيضًا باسم العصبون الحركي أو مرض لو-جريج، الذي سبب له شللاً تدريجياً على مدى عقود من الزمن.
تعرض هوكينج لمعاناة متزايدة، بما في ذلك سقوط على بعض الدرج والصعوبات عند الحركة وقد تفاقمت المشاكل، وأصبح خطابه مدغماً قليلًا؛ بيد إن معاناته تبدأ مبكرا عندما لاحظت أسرته التغييرات عند عودته للمنزل في عيد الميلاد وباشروا بالفحوصات الطبيّة، وجاء التشخيص ليشير إلى إصابة هوكنج بمرض العصب الحركي عندما كان هوكينج في الـ 21 من عمره، عام 1963. في ذلك الوقت، تنبأ الأطباء له بقية عمر متوقّعة لسنتين فقط.
لكن البدايات تعود إلى الـعام 1960، عندما تدهورت قدراته البدنية: وقد بدأ باستخدام العكازات وتوقّف عن إلقاء المحاضرات بشكل منتظم، بينما خسر ببطء قدرته على الكتابة، وطوّر ستيفن أساليب بصريّة تعويضيّة، بما في ذلك رؤية المعادلات بالمنظور الهندسي، وقد شبّه الفيزيائي الألماني فيرنير إزريل، لاحقًا هذه الإنجازات بتأليف موتسارت لسمفونيّة كاملة في رأسه. ومع ذلك، كان هوكينج مستقل ورفض بشدة قبول المساعدة أو تقبل التنازلات بسبب إعاقته. وقال أنه يفضل أن يُعتبر “أولاً عالِماً، ثانيًا كاتبَ علوم شعبية، وفي كل الأمور التي تهم، إنسان عادي مع نفس الرغبات، المحفّزات، الأحلام، والطموح كأي شخص آخر”
وتشير جين هوكينج (زوجته) لاحقًا أن “بعض الناس قد تسمي ذلك  إصراراً، والبعض قد يسميها عناداً، أما  أنا فأسميها الاثنين معاً”.
تطلب الأمر العديد من محاولات الإقناع حتى قبل استعمال كرسي متحرك في أواخر الستينات، ولكن في نهاية المطاف أصبح معروفًا بقيادته الوحشية للكرسي المتحرك.
كان هوكينج زميلًا بارعًا وشعبيًا، ولكن لمرضه، كذلك صيته في الذكاء والجرأة، نأى عنه بعض الزملاء.
تدهورت القدرة على الكلام لدى هوكينج، وبحلول أواخر السبعينات استطاع فهمه فقط أبناء عائلته وأصدقاؤه المقربون.
ارتبط هوكنج بعلاقته بصديقة أخته، جين ويلدي، والتي كان قد التقى بها قبل تشخيصه بمرض العصب الحركي بوقت وجيز، واستمرت العلاقة بالتطور، وتمت خطوبتهما في تشرين الأول (أوكتوبر) 1964م ثم تم الزواج في 14 تموز (يوليو) 1965م، وطوال حياتهما المشتركة تحملت جين الكثير من أجل ستيفن وشاركته السراء والضراء طوال رحلتهما العلمية المثيرة  والمثمرة.
ومن أجل التواصل مع الآخرين، كان يترجم شخص ما يعرفه جيدًا كلامه إلى خطاب واضح، وبدافع الخلاف مع الجامعة حول من سيدفع سعر المنحدر اللازم من أجله للدخول إلى عمله، قام هو وزوجته بحملة من أجل تحسين طرق الوصول لذوي الإعاقة في كامبريدج، بما في ذلك تكييف مساكن الطلاب في الجامعة.
نشر هوكينج عام 2006 سؤالا دون إجابة على الإنترنت مفاده: “كيف سيتمكن الجنس البشري من الدوام لمئةِ عامٍ أخرى في ظل عالم تملأهُ الفوضى السياسية والاجتماعية والبيئية؟”. وأوضح معقبا على السؤال فيما بعد بقوله: “لا أعرف الجواب، ولهذا السبب طرحت السؤال لأحمل الناس على التفكير في الأمر وليكونوا واعيين إزاء الأخطار التي نواجهها الآن”.
عبّر هوكينج عن قلقه على الحياة على كوكب الأرض في وجه الخطر المتمثل باندلاع حرب نووية مفاجئة أو انتشار  فيروسات هندست وراثيا أو الاحتباس الحراري أو غيرها من الأخطار المحدقة التي لم نتعرف عليها بعد.
يرى هوكينج أن وقوع هكذا كوارث يمتد تأثيرها على الكوكب بأسره قد لا يؤدي لانقراض البشر في حال استطاع الجنس البشري استعمار كواكب أخرى قبل حلول هذه الكوارث، حيث يرى في إرسال الرحلات الفضائية واستعمار البشر للفضاء ضرورةً من أجل التأمين على مستقبل البشرية.
يرجح هوكينج احتمال وجود كائنات فضائية بسبب سعة الكون ولانهائيته ولكنه يرى وجوب تجنب التواصل مع هذه الكائنات، ويحذر من احتمال قيام الفضائيين بنهب موارد الأرض. وقال عام 2010: “إذا زارنا الفضائيون ستكون النتيجة مماثلة لما حصل بعد وصول كولومبوس لأمريكا، حيث لم تنتهِ الأمور على خير بالنسبة للأمريكين الأصليين”.
حذر هوكينج من الدور المحوري للذكاء الاصطناعي الفائق وما قد يعنيه في توجيه مصير البشرية قائلا: “إن الفوائد المحتملة هائلة . . . سيكون النجاح في إنشاء ذكاء اصطناعي الحدث الأكبر في تاريخ البشرية. وقد يكون الحدث الأخير ما لم نتعلم كيف نتفادى المخاطر”.
جادل هوكينج لصالح اعتبار الفيروسات الحاسوبية شكلا جديدا من أشكال الحياة وقال: “ربما يفسر شيئا ما حول الطبيعة البشرية، وهو أن شكل الحياة الوحيد الذي أَنشأناهُ حتى الآن هو مدمرٌ تماما. إنه عبارة عن خلق حياة في صورتنا”.
العلاقة بين العلم والفلسفة
قال هوكينج في مؤتمر زايتجايست الذي نظمته شركة جوجل عام 2011 أن “الفسلفة ميتة”. ويعتقد هوكينج أن الفلاسفة “لم يواكبوا تطورات العلم الحديثة”، وقال: “أصبح العلماء حاملون لراية الاكتشاف في سعينا وراء المعرفة”. وعبّر عن اعتقاده بقدرة العلم على حل القضايا الفلسفية العالقة خصوصا نظريات العلم الجديدة “التي ستقودنا صوب صورة جديدة ومختلفة للغاية عن الكونِ وموقعنا فيه”.
سجّل عام 2000 تحية لمرشح الرئاسة عن الحزب الديمقراطي آل جور في الانتخابات الرئاسية الأمريكية حينها، ودعا غزو العراق عام 2003″جريمة حرب”، وقاطع مؤتمرا في إسرائيل بسبب مخاوفه بشأن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، كما شارك في حملة لنزع السلاح النووي، وودعم أبحاث الخلايا الجذعية والرعاية الصحية الشاملة، وإجراءات لمنع تغير المناخ، وكان هوكينج في أغسطس عام 2004م، من ضمن 200 شخصية موقعة على رسالة معارضة لاستقلال اسكتلندا في الفترة التي سبقت استفتاء شهر سبتمبر بشأن هذه المسألة.
كفاءته في الفيزياء النظرية:
في العام 1971م أصدر بالتزامن مع عالم الرياضيات روجر بنروز نظريته التي تثبت رياضياً وعبر نظرية النسبية العامة لأينشتاين بأن الثقوب السوداء أو النجوم المنهارة بسبب الجاذبية هي حالة تفردية في الكون “أي أنها حدث له نقطة بداية في الزمن”.

وفي عام 1974م أثبت نظرياً أن الثقوب السوداء تصدر إشعاعاً على عكس كل النظريات المطروحة آنذاك؛ وسمي هذا الإشعاع باسمه “إشعاع هوكينج” واستعان بنظريات ميكانيكا الكم وقوانين الديناميكا الحرارية.
   طور مع معاونه (جيم هارتل من جامعة كاليفورنيا) نظرية اللاحدود للكون، والتي غيرت من التصور القديم للحظة الانفجار الكبير عن نشأة الكون، إضافة إلى عدم تعارضها مع أن الكون نظام منتظم ومغلق.
 في العام 1988م نشر هوكينج كتابه ” تاريخ موجز للزمن ” الذي حقق مبيعات وشهرة عاليين. ولاعتقاد هوكينج أن الإنسان العادي يجب أن يعرف مبادئ الكون، فقد بسّط النظريات بشكل سلس يمكن القارئ العادي من فهم قوانين الكون وديناميكيات الحياة بشكل عام.

عام 1993: نشر مقالة بعنوان “الكون الوليد والثقوب السوداء”.و في العام 2001م نشر كتابه “الكون بإيجاز” أما في العام 2005م فقد نشر نسخة جديدة من كتابه تاريخ موجز للزمن بعنوان “تاريخ أكثر إيجازًا للزمن” لتكون أبسط للقراء. 
المرض
أصيب هوكينج كما اشرنا بمرض عصبي وهو في الحادية والعشرين من عمره، وهو مرض التصلب الجانبي ALS، وهو مرض مميت لا علاج له، وقد أعلن الأطباء أنه لن يعيش أكثر من سنتين، ومع ذلك قاوم هوكينج المرض حتى تجاوز عمره ال 75 عاماً، وهو أمد أطول مما توقعه الأطباء. وقد أتاح له ذلك فرصة العطاء في مجال العلوم وبالتحديد علوم الفيزياء النظرية، إلا أن هذا المرض جعله مقعداً تماماً وغير قادر على الحركة، ولكنه مع ذلك استطاع أن يجاري بل وأن يتفوق على أقرانه من علماء الفيزياء، رغم أن أجسادهم كانت سليمة ويستطيعون أن يكتبوا المعادلات المعقدة ويجروا حساباتهم الطويلة على الورق، بينما كان هوكينج وبطريقة لا تصدق يجري كافة هذه الحسابات في ذهنه، ويفخر بأنه حظي بذات اللقب وكرسي الأستاذ” الذي حظي به من قبل السير إسحاق نيوتن، وبذلك فهو يُعتبر رمزاً يُحتذى به في الإرادة وتحدي الإعاقة.
مع تطور مرضه، وبسبب إجرائه عملية للقصبة الهوائية بسبب التهاب القصبة، أصبح هوكينج غير قادر على النطق أو تحريك ذراعه أو قدمه، أي أصبح غير قادر على الحركة  ولا على النطق تماماً، فقامت شركة إنتل للمعالجات والنظم الرقمية بتطوير نظام حاسوب خاص متصل بكرسيه يستطيع هوكينج من خلاله التحكم بحركة كرسيه والتخاطب باستخدام صوت مولد إلكتروني وإصدار الأوامر عن طريق حركة عينيه ورأسه، حيث يقوم بإخراج بيانات مخزنة مسبقاً في الجهاز تمثل ما يريد هوكنج التعبير عنه من كلمات وأفكار. 
يعد هوكينج مثالاً لتحدي الإعاقة وللصبر في صراعه مع المرض الذي دام أكثر من 50 عاما وهي فترة طويلة بلا شك تمثل كل العمر الذي يستطيع فيه كل إنسان الإنتاج والعطاء، وقد استطاع هوكينج أن يتحدى الإعاقة وينجز ما لم ينجزه العباقرة الأصحاء من نظرائه.
وحتى عندما يقارن بالعبقرية الشهير ألبرت آينشتاين ، فان هوكينج يتميز عن آينشتاين بأنه أنجز ما أنجز في ظل إعاقة كلية  أفقدته القدرات الرئيسية: القدرة على الحركة ؛ القدرة على النطق؛ والقدرة على السمع.
كان من أطرف ما قاله هوكينج بعيد الانتخابات الأمريكية في العام 2016م ما معناه” لقد نجحت في تفسير الكثير ممن الظواهر المعقدة، لكنني لا أستطيع أن أفهم أو أفسر كيف صار شخص مثل دونالد ترامب رئيسا لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية”.
وهكذا سيخلد اسم هوكينج في سجل أكثر العبقريات شهرةً في التاريخ البشري منذ أرسطوتيل حتى هوكينج وستظل نظرياته المثيرة للجدل محل تداول ونقاش واسترشاد لعقود طويلة وربما لقرون قادمة.

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *