التخطي إلى المحتوى
1200 محتجز قسراً في سجون اليمن.. الموت طريق الخلاص

349

 

بوابه حضرموت / العربي الجديد

 

 

دأت مرحلة الغروب في حياة اليمني، محمد أحمد حيدر المشرقي، عام 2001، حين أودع الحبس مدة عامين، بينما كان في الثالثة والثلاثين. مذّاك خسر تدريجيا مصدر رزقه، حريته، استثماراته، بيته، صحته، بصره، ليفقد معها جميعاً أيّ أمل بمغادرة السجن المركزي بصنعاء.

 
المشرقي الذي عمل في تجارة الأدوية سبع سنوات (1994 – 2001) لم يكن يتوقع استدامة احتجاز حريته لدى صدور حكم محكمة غرب أمانة العاصمة صنعاء في منتصف 2001، عقب إدانته بخيانة الأمانة. تضمن ذلك الحكم أيضا تسديد ديونه البالغة 174 مليون ريال يمني (809 آلاف دولار).

 
كان يجب على إدارة السجن المركزي بصنعاء الإفراج عن المشرقي يوم استكمل عقوبته، أي في 4 أغسطس/آب 2003. لكن احتجازه مستمر حتى اليوم – أكثر من خمسة أضعاف مدة حبسه، لأنه لم يسدّد الديون المترتبة عليه. هذا الإجراء يخالف قانون الإجراءات الجزائية (المادة 495) والتي تنص على أن “الإفراج عن المحكوم عليه في اليوم التالي لليوم الذي تنتهي فيه مدة حبسه”. وكذلك المادة 11 من قانون تنظيم السجون رقم 48 لسنة 1999 تنص أن على إدارة السجن “الإفراج عن المحبوس احتياطيا بعد انتهاء المدة المحددة للحبس الاحتياطي بموجب أمر كتابي من السلطة التي أصدرت أمر الحبس”.

 

 

ولا يوجد أي تشريع يناقض تلك النصوص؛ فالقانون لا يجيز إبقاء السجين بعد تنفيذ العقوبة المحددة في الحكم القضائي وتحت أي مبرر.

 

 

حاليا يمضي محمد المشرقي عامه الـ 14 داخل السجن. أصيب خلال احتجازه بالعمى عام 2011 بسبب عدم نقله لمراجعة مستشفى الثورة في صنعاء بعد أسبوعين على إجراء عملية جراحية لعينيه.

 

 

وفي قسم النساء داخل السجن لا يختلف الوضع كثيراً. إذ تمضي سيدة الأعمال، أنهار السيد (35 عاماً) عامها الثاني من دون أن تنص الأحكام الصادرة بحقها على أي عقوبة بالحبس. وهكذا يستمر إلى الآن حبسها الاحتياطي الذي قررته النيابة خلال فترة المحاكمة في قضية تحرير شيكات بدون رصيد، في مخالفة للقانون ذاته.

 

حظ المشرقي وأنهار قد يكون أفضل من ستة محتجزين آخرين قضوا داخل سجنين منذ 2010، رغم انقضاء فترتي حكمهما، وسط تضارب في تحمل المسؤولية بين إدارة السجون والنيابة العامة.

 

وفي الإجمال، ثمّة 1200 يمني عالق في السجون جرّاء “أعراف” قضائية مخالفة للقانون، تتمثل في استمرار احتجازهم على ذمة قضايا جنائية أخرى (شيك بدون رصيد، خيانة أمانة، سرقة، قتل، اعتداء، نصب…) حتى بعد انقضاء فترات عقوباتهم الجزائية المحددة في الأحكام، حسبما يؤكد محامون. وتصنف هذه الفئة في إدارات السجون والنيابات على أنهم “محتجزون على ذمة الحق الخاص”، رغم أنه لم تُرفع بحقهم دعاوى مدنية منفصلة تتعلق باسترداد الدَّين.

 

 

وبينما تنفي إدارات السجون مسؤوليتها عن استمرارية احتجاز المنتهية محكوميتهم، معتبرة أن الإفراج عنهم من مهام النيابة العامّة، تؤكد الأخيرة أنها لا تصدر قرارات بالإفراج إلا بعد سدادهم للحق الخاص.

 

 

ويؤكد المحامي نبيل المحمدي (أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المحتجزين) أن توصيف المحتجزين على ذمة الحق الخاص، وفق تصنيفات النيابات وإدارات السجون “مغلوط والهدف منه خلط الأوراق والتبرير للمخالفة المرتكبة بحق المحتجزين”.

 

 

ويؤكد المحمدي أن احتجاز هذه الفئة غير قانوني، إذ من الممكن استعادة الحقوق الخاصة أو الدين بطرق قانونية أخرى لا يتم اتباعها. ويصف المشرقي بأنه “في حال احتجاز قسري، منذ 11 عاماً، محسوبة من انتهاء مدة حبسه بمقتضى الحكم الجزائي الصادر عن القضاء الجزائي بما اشتمله من تقرير عقابي”.

 

 

تضارب المسؤوليات

لأن إدارة المنشأة العقابية (السجن) لم تلتزم بنص هذه المادة. فإن المشرقي والسيد، المتعيّن الإفراج عنهما يعدّان في حال “احتجاز قسري وتقييد حرية من قبل مدير المنشأة العقابية ابتداء من اليوم التالي لانتهاء العقوبة”، طبقا للمحامي المحمدي.

 

تتجاوز النيابة أحيانا قاعدة الاحتجاز، إذ تصدر قرارات إفراج عن بعض المحتجزين قبل تسليم الحق الخاص، لكن بعد أن يخسروا جزءا من حياتهم مقابل حريتهم.

 

 

في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2012، توفي رجل الأعمال وتاجر السيارات علي محمد الحميضة، جراء ذبحة قلبية ألمّت به، داخل السجن المركزي في صنعاء، بعد 12 عاماً على احتجازه غير القانوني. الحميضة كان مالك معرض القادسية للسيارات، الذي أعلن إفلاسه في 2001، ثم دخل السجن لفترة احتياطية على ذمة عدة قضايا رفعتها شخصيات سياسية وعسكرية واجتماعية للمطالبة بمئات الملايين.

 

 

مصادر رسمية في السجون تؤكد أن الحميضة لم يكن أول المحتجزين الذين قضوا نحبهم في السجون، ولا آخرهم. إذ توفي في شهر يونيو/حزيران 2014 محتجزان خارج القانون في السجن المركزي بصنعاء، وقد يلحق بهم آخرون في حال لم تلتفت النيابة العامة إلى هذا الانتهاك.

 

 

وخلال السنوات الخمس الماضية، توفي ستة محتجزين بعد انقضاء محكومياتهم؛ خمسة داخل السجن المركزي بصنعاء، وواحد في سجن تعز المركزي، وفقا لمعلومات جمعها معد التحقيق من السجون.

 

 

عميد المحتجزين

تشير بيانات خالد فتيني معجب، إلى أنه الأقدم بين محتجزي ذمة الحق الخاص، إذ إنه محتجز منذ 15 عاماً. كشوف النيابة العامة تفيد بأن خالد معجب – الذي حكم بالحبس سنتين في سجن عدن المركزي عام 1998 عقب إدانته بـ “خيانة الأمانة”- ما يزال خلف القضبان رغم انقضاء محكوميته عام 2000. وحكم آنذاك بـ”تسليم مبلغ سبعة ملايين ونصف مليون ريال (30 ألف دولار)”.

 

 

الحق الخاص

في اليمن 15 منشأة عقابية. في سجن صنعاء وحده، يقبع 261 محتجزا انتهت مدّة محكوميتهم من دون مسوغ قانوني. وتتعامل إدارة السجن معهم – من بينهم المشرقي – باعتبارهم “محتجزين على ذمة الحق الخاص”. وتشترط إدارة السجن توجيهات من النيابة للإفراج عن المحتجز بعد إنهاء عقوبته أو تسليم ما عليه من ديون.

 
ويوضّح مدير السجن المركزي بصنعاء العميد صيفان الحجيري مسؤولية إدارة السجن، من واقع الآلية التي ورثها عن سلفه بقوله: “نحن جهة إيداع؛ نستقبل السجين من النيابة بورقة ونفرج عنه بورقة، مثل البنك: يودع الأموال بورقة ويصرفها بورقة”.

 

 

لم تنفِ النيابة العامة احتكارها قرارات الإفراج عن المحتجزين، رغم عدم وجود نص قانوني يشترط على السجين الحصول على توجيه من النيابة للإفراج عنه بعد استكمال فترة عقوبته.

 

 

إدارة السجون في قفص الاتهام

يحمل المحامي المحمدي إدارة السجن المسؤولية المباشرة والرئيسية عن الاحتجاز بعد انقضاء المحكومية، فيما تتولى النيابة العامة الإشراف على تنفيذ القانون ومعاقبة المخالفين. فعملية الإيداع في المنشأة العقابية “منظومة بمقررات تشريعية آمرة لازمة التوافر إذ تحدد الجهة الآمرة بتنفيذ العقوبة المقضي بها فترة الإيداع”، بحسب ما يشرح. وتنص المادة 494 من قانون الإجراءات الجزائية النافذ على “وجوب بيان مدة العقوبة بدايةً ونهايةً”.

 

ويمنح القانون إدارة السجن حق الإفراج بمجرد انتهاء الفترة العقابية المحددة في الحكم، من دون الرجوع لأي سلطة، لذلك لا توجد ذريعة قانونية لمواصلة احتجازهم، بحسب المحمدي.

 

 

في 19 أغسطس/آب 2014، أطلع معدّ التحقيق، العميد صيفان الحجيري على تفاصيل الانتهاكات التي جمعها من داخل السجن. ولم يفرج الحجيري على أي من المحتجزين بدون قرار إفراج من النيابة حتى الآن. بل يكتفي بالتأكيد أن مسؤولية الإفراج تقع “على النيابات والمحاكم، فهي الجهة القضائية المختصة بمتابعة إجراءات قضايا السجناء”.

 
من جانبه يقول المحامي المحمدي “إن استمرار المدير في احتجاز حرية المشرقي، يعد جريمة يعاقب عليها القانون بثلاث سنوات سجن والعزل الوظيفي”. بحسب المادة 167 من قانون الجرائم والعقوبات.

 

 

ويطالب المحمدي النائب العام بالقيام بـ”مسؤولياته القانونية والدستورية والإفراج عن كل من قيدت حريته خارج القانون، ومعاقبة من يحتجزهم بالسجن ثلاث سنوات وعزله من الوظيفة”.

 

 

النيابة العامة على علم

توصّل معد التحقيق من خلال لقاءاته مع مسؤولين في النيابة العامة إلى أنها تعلم ما يحدث من انتهاكات. وحصل منها على إحصائية بالمحتجزين كافة، والذين أنهوا فترة عقوباتهم ولا يزالون في السجن.

 
“الذين أنهوا فترات عقوباتهم في السجون المركزية في المحافظات اليمنية نحو 1200 محتجز”، يقول رئيس شعبة السجون في النيابة العامة مهدي علي، مستشهدا بآخر إحصائية منتصف عام 2014. ويرجع علي استمرار احتجازهم إلى “عدم سداد ما عليهم من حقوق خاصة”.

 
يدحض المحامي المحمدي هذا المبرر، قائلاً: “لا يوجد مسوغ قانوني يمنحهم الحق في الاحتجاز رهناً بهذه الحقوق، لأن أصل الاحتجاز خاطئ وغير قانوني”. ويشدد على أن “وظيفة النيابة تتمثل في تنفيذ ما يخصها في الحكم الجنائي القاضي بالحبس العقابي فقط”.

 

 

وفيما يتعلق بالشق المدني المتصل بالحقوق المدنية (استعادة الأموال) التابعة للدعوى الجزائية، تنص المادة 470 من قانون الإجراءات الجزائية على أن “تنفيذ الأحكام الصادرة في الدعوى المدنية يكون وفقاً لما هو مقرر في قانون المرافعات”. ويضيف المحمدي: “عقب تنفيذ العقوبة يتجّه الخصم (طالب التنفيذ)، إلى قاضي التنفيذ المدني، لرفع دعوى مدنية منفصلة للمطالبة بتنفيذ الحق الخاص، لأنه ينظر له كمديونية”.

 

 

وتنظم استيفاء حقوق كهذه آلية إجرائية خاصة، اشتملتها مقررات آمرة في قانون المرافعات والتنفيذ المدني النافذ، في أكثر من 20 مادة من القانون بوضوح وتفصيل.

 

 

اتفاق متوقف

في غمرة حملة إعلامية انتقدت الاحتجاز غير القانوني، وكّل المحتجز المشرقي ضمن لائحة من 600 محتجز آنذاك مجموعة محامين في مارس/آذار 2007 على أمل “رفع الظلم عنهم وإيقاف محنة الاحتجاز غير القانوني”.

 

وفي 13 مايو/أيار 2007، توصلت هيئة الدفاع خلال لقاء تشاوري مع رئيس مجلس القضاء السابق القاضي عصام السماوي بحضور النائب العام السابق الدكتور عبد الله العلفي ورئيس اللجنة العليا للسجون إلى اتفاق يقضي “بتكليف النائب العام بدراسة وفرز حالات الاحتجاز، والتوجيه إلى النيابات المختصة بالإفراج والإحالة إلى قاضي التنفيذ المختص وفقاً للقانون”، بحسب بلاغ هيئة الدفاع.

 

 

المحامي نبيل المحمدي، أحد أعضاء هيئة الدفاع عن المحتجزين، يشدِّد اليوم على أن الاتفاق يُعد: “اعترافا صريحاً من مجلس القضاء الأعلى بجرمية الاحتجاز وعدم قانونيته”.

 

 

أطلقت النيابة إثر ذلك العشرات من المحتجزين. لكن وضع المشرقي والحالات المطابقة له في قائمة المحتجزين، تؤكد نكوصها عن الاتفاق بعد فترة بسيطة على بدء تنفيذه وعودتها إلى الممارسات السابقة المخالفة للقانون، بحسب شكوى المحمدي.

 

 

علي الأعوش النائب العام يبرر ذلك بالقول: “تلقت النيابة شكاوى من أصحاب الحقوق المالية بسبب عدم استيفائهم حقوقهم، فاضطرت النيابة إلى التوقف عن الإفراج إلى أن تجد حلاً لذلك”.

 

 

مواجهة النائب العام

في الساعة الحادية عشرة من صباح 21 أغسطس/آب 2014، طرح معد التحقيق على النائب العام علي الأعوش، نص المادة 7 من قانون الإجراءات الجزائية الذي يوجب على النائب العام “الإفراج الفوري عن كل من قيّدت حريته خلافاً للقانون، وكذا عن كل من استبقي في السجن بعد انقضاء مدة الحبس المحكوم بها عليه”.

 

 

بدا الأعوش مرتبكاً لدى الطلب منه السماح بتسجيل حديثه. ثم ردّ بعنف وطلب من معد التحقيق مغادرة مكتبه، لأنه لا يتحدث إلى وسائل الإعلام. طمأنه معد التحقيق بأنه لن يسجل إلا بموافقته. وبعد تأكده من عدم التسجيل، تحدث بأن النيابة “تحتجزهم من أجل تسليم ما عليهم من حقوق خاصة للغير”.

 

 

ولدى مواجهته بالمواد القانونية التي تحدد اختصاص النيابة وكيف يتم استخلاص الأموال المحكوم بها وفق القانون، بما في ذلك قضية المشرقي، يقدم الأعوش مبرراً آخر متصلا بالمجتمع: “نحتجز هؤلاء بعد انتهاء فترات عقوباتهم، بهدف منع حدوث أي خلافات ومشاكل مع الذين يطالبون بأموالهم”.

 

 

ووفق مشاهدات معد التحقيق فإن هذا المبرر الذي لا يستند إلى أساس قانوني ينعكس كآلية عمل لدى النيابات والمنشآت العقابية (السجون) في جميع محافظات الجمهورية.

 

معاناة الأسر

بالإصرار على استمرار الاحتجاز تغفل إدارات السجون والنيابة العامة جانباً آخر غير مخالفتها للقانون، يتمثل في التسبب بمعاناة المئات من أسر المحتجزين خارج السجن.

تعيش أسرة المحتجز في حال من الإحباط واليأس “بسبب الشروط التعجيزية التي تضعها النيابة للإفراج عن السجين بعد انتهاء فترته العقابية كتوفير ضمين تجاري مسلم. إذ يستمر احتجازه خارج القانون” كما يشتكي أحد أقرباء المحتجزين في السجن المركزي بعدن، فضّل عدم ذكر اسمه.

 

 

يخلو سجل الزيارات في السجن المركزي في صنعاء من أي زيارة للمحتجز محمد حيدر المشرقي، منذ يناير/كانون الثاني 2011. في منتصف يونيو/حزيران 2014، كنت أول زائر له منذ ودعته أسرته قبل ثلاث سنوات، مغادرة إلى مسقط رأسه في ريف مدينة تعز.

 

 

وفي 14 أغسطس/آب الماضي، كان الرجل بانتظار زيارة أسرته في اليوم التالي قادمة من تعز، 240 كم جنوب صنعاء. يقول: “كانت أسرتي تزورني يومياً، ثمّ أسبوعياً، ومنذ استولى غريمي (الخصم) على منزل أولادي في العاصمة بالقوة في 2003، اضطروا للانتقال للعيش في قريتي بمحافظة تعز وساءت ظروف المعيشة وقلّت الزيارات حتى أصبحت كل سنة أو سنتين”.

 

 

أنهار حبيسة!

اعتادت أنهار السيد وأسرتها مستوى معيشيا جيدا، لكنها الآن تصارع الفقر من داخل السجن وأسرتها من خارجه. إذ صودرت أموالها وبيعت استثماراتها من دون أن تفي بما عليها. وما تزال النيابة تصر على احتجازها بعد أن قررت الأحكام الصادرة نهاية 2012 الاكتفاء بمدة الحبس الاحتياطي الذي قررته النيابة عليها خلال فترة المحاكمة.

 

 

تنتظر الطفلتين شيماء (سبع سنوات)، وشموخ (خمس سنوات)، عودة والدتهما إلى المنزل منذ عامين. واضطرت أسرتها إلى إخفاء أمر السجن عن شموخ مراعاة لطفولتها. “يقولون لها إنني في العمل”، تقول أنهار.

 

 

وفي مايو 2014، علمت الصغيرة شموخ أن أمها، بسبب فقرها، محتجزة في السجن المركزي في صنعاء. تقول أنهار والكلمات تسابق دموعها: “مذاك بدأت شموخ توفير مصروفها اليومي لمساندتي وتحرم نفسها من شراء أي شيء”.

 

 

التجار أكثر ضرراً واحتجازاً

يعد التجّار أكثر المحتجِزين تضرراً. جفّت أنهار سيدة الأعمال، النشيطة منذ 18 عاماً، في لحظة. أنهار السيد، التي كانت تستورد ملابس أطفال سورية الصنع وتبيعها في اليمن، تمثّل أنموذجا للتجّار الذين انتهت أنشطتهم ومكتسباتهم بقرار سجنهم.

 

 

تقول: “شقى عمري وتعبي سار بليلة وضحاها”. الدائنون أصيبوا بالهلع حين علموا بالضغوط المالية عليها جرّاء الركود الاقتصادي الذي رافق الأزمة السياسية خلال الثورة الشبابية في عام 2011. عن ذلك تقول: “أول قضية رفعت ضدي كانت بـ 15 مليون ريال فقط (69 ألف دولار)، ولدى انتشار الخبر أصبح المطالبون كثر والالتزامات أصبحت بمئات الملايين”. وتضيف بإحساس من خُيّبت آماله: “ظن الشركاء والدائنون أن حبسي سيعيد أموالهم”. ما يزال لدى السيد يقين بأن تنفيذ القانون هو خلاصها الوحيد لما تمرّ به.

 

 

الموت طريق الخلاص

“فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر” يقولها العميد صيفان الحجيري في معرض وصفه مآلات المحتجزين قسرا. تعاطفُ المسؤول الأول عن احتجازهم يثير الدهشة، لأنه صاحب القرار في إنهاء مأساتهم، لو رغب في ذلك. لكنه لم يفعل، ويقول إنه يخشى أن يسجن بدلا عنهم.

 

 

يلخص الحجيري في تعليقه على النهايات البديلة عن الإفراج بعد سماعه أحد المحتجزين – كان حاضراً في مكتبه خلال لقائه معد التحقيق – وهو يعدد أسماء زملائه الذين ماتوا في السجن الذي يديره، وآخرهم في عهده.

 

 

لم تغيّر حوادث وفيات المحتجزين في السجون من تعامل النيابة العامة تجاه معاناة هؤلاء. إذ يعلّق النائب العام على إشارة معد التحقيق بأن المصير الذي ينتظر هؤلاء، قد يكون الموت، كحالة الحميضة، قائلاً: “الحميضة كان يرفض الإفراج عنه حمايةً له من أصحاب الحقوق المالية”.

 

 

لكن من المؤكد أن الحميضة سعى للخروج من السجن، إذ يحتل اسمه الرقم 52 على قائمة المطالبين بإطلاق سراحهم في التوكيل المقدم من المحتجزين إلى هيئة الدفاع في 2006. وتوقيع علي الحميضة يدحض حجة النائب العام بعدم الإفراج عنه. وفي يونيو/حزيران 2014، توفي المحتجزان فارع يحيى صالح شمر وعبدالله حسن الخولاني. يبقى القول إنه بدون تفعيل القانون، لن يتبقَّى أمام المحتجزين سوى انتظار تطبيق القانون أو الموت.

 
أنجز التحقيق بدعم من شبكة أريج (إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية)

 

التعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *